آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفنان الجشي: اللوحة الفنية أشبه بالطبق الشهي المذاق

جهينة الإخبارية حوار/ أمل فؤاد نصرالله - مجلة الخط العدد 14

الفنان علي الجشي لـ الخط:

• اللوحة بالنسبة لي رسالة إنسانية تحمل معاني ساميه
• في معرض ملامس عقدت حواراً بين أشخاص وخيول وأوراق الشجر
• اللوحة الفنية أشبه بالطبق الشهي المذاق
• لكل فنان طريقة خاصة في رسم مجال اللوحة
• الفنان يعيش صراعا مع النفس ويفتقر للدعم المادي والمعنوي

من خلال أعماله الفنية يمكننا تصنيف الفنان علي مهدي الجشي ضمن الفن الواقعي الذي يعني في الكثير من الاحيان بالتفاصيل الدقيقة خصوصا في رسم البوتريه، إلا انه من خلال معرضه الاخير «ملامس» يمكننا ان نصف جانبا من فنه بالسريالية وذلك لإعتنائه بمعان عميقة إلى جانب اهتمامه بالشكل الذي اعتاد في بداياته الاحتفاء به. وبقراءة عابرة لفنية ومنذ انطلاقته الآولى نلمس من لوحاته القديمة الإهتمام بالتفاصيل الصغيرة والدقة المتناهية.

الفنان الجشي في مرحلته الحالية حدد ملامح تجربته وصنع له بصمة مختلفة تميز فنه عن أعمال أي فنان أخر، متجاوزا او متفوقا ومبدعا في حقل تخصصه الفنِي ومدرسته التشكيلية.

في هذا الحوار يتحدث الفنان الجشي لـ " الخط " حول العديد من القضايا المعلقة بتجربته الفنية وعن أمور متعددة فإلى الحوار:

البدايات لها طابع جميل ومميز. حدثنا عن عن بدياتك وعن مشوارك التشكيلي؟

من أعمال الفنان علي الجشي

حياتي في الفن التشكيلي مرّت بثلاث مراحل مهمة، المرحلة الأولى كانت أثناء دراستي في المدرسة، حيث إنني عشت في كنف أسرة تمتلك عدة مواهب من أهمها موهبة الرسم، فكنت أتنافس مع أخوتي فيمن يرسم أفضل من الآخر، وانعكس هذا التنافس في حياتي المدرسية مع أقراني والتي تأسس فيها ارتباطي بفن الرسم، فأصبحت شغوفًا به ومهتمًا بتعلّم كل ما يرتبط به من معارف وخبرات لدرجة أنني كنت أطمح لإكمال دراستي في الجامعة في قسم التربية الفنية، وفعلاً تحقق هذا الحلم والتحقت بجامعة الملك سعود بالرياض، وفيها بدأت المرحلة الثانية من حياتي في الفن التشكيلي، فلم أكن أكتفي بما نتعلمه من دروس أثناء المحاضرات المقررة وورش العمل بل كنت حريصًا على اكتساب المزيد من خبرات وتجارب الكادر التعليمي في قسم التربية الفنية في الجامعة مما كان له أكبر الأثر في صقل هذه الموهبة إلى أن وُفّقت في إقامة معرض شخصي آنذاك في صالة القبة بمنطقة الملز بالرياض.

أما المرحلة الثالثة فبدأت بعد التحاقي بالوظيفة كمعلم لمادة التربية الفنية والتي استطعت من خلالها توظيف خبرتي في فن الرسم بمختلف مجالاته ونقلها إلى الآخرين من خلال المشاركة في كثير من الفعاليات التي تقام في المنطقة، وعبر وسائل الاتصال المتنوعة كالفيسبوك، وإعطاء دروس في القواعد الأساسية لفن الرسم عبر موقع اليوتيوب على الشبكة العنكبوتية.

كيف ترى واقع التشكيليين والتشكيليات في المملكة؟

الحركة التشكيلية في المملكة يعتبر عمرها قصير إذا ما قورنت بمثيلاتها في الدول الأخرى، فقد كانت البداية الفعلية لها في عام 1373هـ والتي بدأت بعد تأسيس وزارة المعارف حيث اهتمت بعمل أنشطة ودورات للمعلمين في هذا المجال، إلى أن بدأ هذا الفن بالانتشار عبر المعارض والجامعات والدورات والمسابقات التي تقيمها. وفي هذه الفترة الزمنية القصيرة حدثت طفرة سريعة اكتسبت الأجيال خبرات واتجاهات متنوعة في مجال الفن التشكيلي؛ وليس بالضرورة أن تكون ناضجة لأنها قامت - غالبًا - على تقليد الآخرين في تجاربهم على حساب الدراسة الأكاديمية لمبادئ وأصول الفن التشكيلي، وهو ما سينتج عنه ظهور جيل لا يمتلك المقومات الأساسية للارتقاء بهذا الفن، ولكنني رغم ذلك متفائل بأن مستقبل الفن التشكيلي سيكون زاهرًا بوجود نخبة من الفنانين المتميزين الذين يسعون إلى وصول هذا الفن إلى مستوى رفيع في ذاته يخلو من الشوائب.

برأيك ما هي الخطوات الأساسية لرسم اللوحة؟

من أعمال الفنان علي الجشي

اللوحة الفنية أشبه ما تكون بالطبق الشهي فإن أجاده الطاهي كان لذيذ الطعم عند المتذوق، وكذلك اللوحة الفنية فإن اهتم الفنان بها وأجاد قواعدها وأسسها وأظهر مقومات الجمال فيها بطريقة إبداعية وذات مضمون كان لها الأثر الكبير لدى المتلقي في تفاعله معها.

ولكل فنان طريقته الخاصة لرسم مسار إنجاز اللوحة، ومن وجه نظري فإنني أرى أن إنجاز اللوحة يمر بعدة مراحل أولها: هي مرحلة ابتكار الفكرة والمضمون، وقد تأخذ وقتًا أطول من تنفيذها ويعود ذلك لخبرة الفنان وثقافته، وبعدها تأتي مرحلة التخطيط واختيار ما هو ملائم لإبراز الفكرة من عناصر وأدوات وخامات، ثم تبدأ عملية المعالجة من خلال دراسة العناصر من خط ولون وضوء وملمس وفراغ وكتلة، ويقوم الفنان بعدها بعملية التفاعل بأسس التكوين من إيقاع وتكرار وتباين وتضاد واتزان، ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي الإخراج وتقويم اللوحة للتأكد من وصولها إلى الهدف الذي يسعى إليه.

ما رأيك بالنقد الفني وكيف يتم بصورة صحيحة؟ وهل بإمكانك أن تصبح ناقدا فنيا؟

النقد الفني هو وسيلة للتحليل والبحث لإيضاح التميز والضعف في العمل الفني تعتمد على شخصية الناقد ونظرته الخاصة بتحليل العلاقات التشكيلية والمعاني الانفعالية والأسلوب التعبيري والاستجابة الوجدانية، وليتم النقد بصورة صحيحة لابد من دراسة متعمقة لتاريخ الفن والفنانين والاحتكاك بهم وكذلك امتلاك خبرة الوصف والتحليل والتفسير والحكم.

أما بالنسبة لي فلا أجد لديّ ميولاً نحو النقد - رغم أهميته - لقناعتي التامة بأن ذلك سوف يؤثر على إنتاجي الفني وتقييده، ولكنني أعتقد أن كلاًّ منهما مكمل للآخر، فالفنان ينتج والناقد يوجه.

كيف تتولد فكرة اللوحة التشكيلية لديك؟ وماذا تمثّل لك اللوحة؟

تتولد الفكرة لدى الفنان بشكل عام نتيجة البحث والتركيز والتعمق فيما حوله ومدى تفاعله معه عن طريق شحن المدركات البصرية والفكرية.

اللوحة التشكيلية بالنسبة لي تمثل رسالة تحمل مضمونًا إنسانيًا ونفسيًا يتحرك في وجداني وأحاسيسي نتيجة تفاعلي بما حولي من مؤثرات، فتتحول هذه الرسالة إلى لوحة تحمل معاني سامية تخرج من قلب الفنان إلى المجتمع.

برأيك ما هي أبرز التحديات التي تواجه كل فنان وفنانة؟

من أعمال الفنان علي الجشي

الفنان والفنانة كلاهما يعيشان في بيئة كلها تحديات تؤثر سلبًا وإيجابًا على مستوى إنتاجهما، ومن هذه التحديات ما يرتبط ارتباطًا مباشرًا بنفسية الفنان ومزاجيته، فمعظم الفنانين والفنانات يعيشون صراعًا مع النفس لشدة تحسّسهم وتأثرهم بالمحيط الذي يعيشون فيه، ومن التحديات أيضًا عدم توفر البيئة المناسبة «معامل رسم، صالات عرض، ورش فنية...» بشكل كافٍ لممارسة الفن التشكيلي ممّا يؤثر سلبًا على جودة العمل، ومن أهم التحديات التي تواجه الفنان كذلك هو ندرة الدعم المادي في تسهيل وتوفير مستلزمات الإنتاج وتغطية تكاليف ورش العمل وإقامة المعارض الفنية، وكذلك الدعم المعنوي والتشجيع الذي لا يقل أهمية عن سابقه والذي لا يستطيع الفنان بدونهما أن يطوّر من قدراته الفنية.

ماذا عن معارضك الشخصية؟

في الحقيقة لست مهتمًا في انجاز الكم من المعارض الشخصية بقدر الاهتمام بالكيف لإيماني بأن المعرض هو وسيلة وليس هدفًا، فإن نضجت الفكرة والمضمون وصيغت بشكل مميز كان بالإمكان عرضها، لذا ركّزت في مسيرتي الفنية على البحث عن المضمون والأسلوب التعبيري للعمل وذلك يستغرق الكثير من الوقت والجهد وهو ما يفسّر قلة المعارض الشخصية لي.

حدثنا عن معرضك الشخصي الاخير «ملامس»؟

«معرض ملامس» والذي أقيم بصالة نادي الفنون بالقطيف ليس وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة بحث وعمل دؤوب للوصول لهدف كنت أتطلع إليه منذ زمن بعيد، هدف يحمل بين طيّاته «مضمون البيئة وأسلوبها» وهو عبارة عن رسالة موجهة إلى جميع فئات المجتمع، وهي تقوم على الواقعية وتعتمد على الدراسة الأكاديمية في رسم العناصر وارتباطها مع المعالجة الدقيقة لسطوحها من تضاد وتوافق، وبتفاعل الزمن أقمت حوارًا بين أربعة عناصر من بيئتنا «أشخاص وخيول وأوراق شجر وبيوت محلية» ليشعر المتذوق بها ويدرك قيمتها.

ويحتوي «معرض ملامس» على أكثر من 50 عملاً فنيًا استخدمتُ فيه خامة الفحم وملحقاته التي تعد من أصعب الخامات وأعندها، وقد احتوت لوحاته على ملامس الزمن التي يعيش ويتفاعل الجميع معها، وقد استغرق إنتاجها أكثر من ثلاث سنوات من التركيز والعمل الجاد.

ماذا تود أن تقول في أخر اللقاء؟

أوجه شكري لهذه المجلة المميزة والقائمين عليها، كما أوجه شكري لكل من شاركني ودعمني قولاً وعملاً وأخص بالذكر جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، وأتمنى من جميع الفنانين والفنانات أن يرسخوا مبادئ الفن التشكيلي في جميع مجالاته، وأن يوجهوا طاقتهم نحو رفعة وسمو هذا الفن الأصيل في منطقتنا الحبيبة.

من أعمال الفنان علي الجشي