آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

«قصيدة الشطرين عند الشاعر السيد مصطفى جمال الدين: خيار تشبث أم خيار تجاوز»

حسين الخليفة

لكل جديد طنين ورنين وجذبة طرب كما يُعبَّر في الأمثال، فحين انطلق قطار شعر التفعلية، انطلق بطنين ورنين أكثر ضجيجاً مما ينبعث من قطار قديم يترنح فوق سكته الحديدية، وصار يُنظر إلى النص من خلال الشكل، فيعتبر جديداً متجاوزاً لمجرد هروبه من بيت الشطرين إلى شرنقة التفعيلة، والأمر - لطبيعة وهج الجديد - يخدع بإغراء ويغري بخديعة الثوب الجديد الزاهي الذي يتسابق على بيان محاسنه المتحمسون.

ولعل أقصر طريق يُروج من خلاله للجديد يكمن في جمع كل ما يمكن من قبحيات ومساوئ وإلصاقها بالقديم للتمكن من الإجهاز عليه ودفنه والاستراحة منه؛ فهو ذلك الشبح المقلق والمنافس العريق.

ولعل الشاعر السيد مصطفى جمال الدين وهو صاحب «الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة» والقارئ الواعي النهم للتراث ولكل ما ينتجه الحراك الثقافي والإبداعي في عصره - كان أكثر تقدماً حين وعى عملياً أن الإبداع يكمن في الجملة الشعرية نفسها من حيث إيقاعها ورشاقتها ونسيجها التفاعلي داخل النص، وهو أمر وعته كل الوعي «أسرة الأدب اليقظ» فجددت في قصيدة الشطرين على مستوى المعجم والمضمون والبناء... وعليه فإن التجديد الإبداعي عند شاعرنا جمال الدين كان ذا فاعلية ملفتة في إنتاج نصه الشعري، وهو - لأنه كذلك - لم يجد في نفسه حاجة إلى التحول من بحبوحة البيت إلى شرنقة التفعلية، ما دام التجديد والإبداع يكمنان في الجملة الشعرية نفسها.

فإصرار السيد جمال الدين على الإخلاص لشكل «الحبيب الأول» هو إصرار صلب منطلق من رؤية إبداعية متقدمة لم تخضع لطنين ورنين الشكل الجديد الذي ظل في فترات طويلة من انطلاقته حتى شيوعه يغطي على عصب الإبداع الكامن في الجملة الشعرية فيواري قبحياتها وتشوهاتها ويغطيها بثوبه الزاهي.

شاعرنا جمال الدين لم يغره الشكل ما دام يرى في نفسه أنه يمتلك الجديد في تكوين جملته الشعرية، ولذلك ثبت على ما عنده حتى ذهب الطنين والرنين وخفت وطأة الانجذاب الطربي، وظهرت أصوات تدعو إلى عدم الذوبان في الشكل وإلى تخفيف منسوب الموقف السلبي تجاه شعر الشطرين؛ فالشعر شعر في أي شكل كان، والعمدة في إبداعية الجملة الشعرية في أي قالب صُبَّت وعلى أية شجرة حَطَّت.

جميل هذا الوعي المتأخر بعد التخلص من ضغط بهرجة الشكل الجديد، لكن الأجمل أن يكون الوعي المذكور مبكراً يقف صامداً صلباً في وجه التيار المندلع العاتي، وهكذا كان وعي السيد جمال الدين..!

إن إبداعية النص الشعري تكمن في فنية تكوين جملته لا في شكله الخارجي، وإنه لمن طرائف تمثلات «كما تدين تُدان» أن المساوئ الموجهة إلى شكل قصيدة الشطرين من قبل حركة قصيدة التفعيلة قد غنمتها حركة قصيدة النثر، فأعادت توجيهها إلى حركة قصيدة التفعيلة التي أنشأتها أول مرة..!

حتى في قضايا الشعر والأدب يصح أن يقال: «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»

، وإنه لأمر يبعث على العجب..!

إنها مجرد أشكال أدبية، وهي من صنع الإنسان، وهو الذي يعطيها المعنى وينفخ فيها من روحه..، فلِمَ ننشغل بالمظهر ونغفل عن الجوهر، ولِمَ نفتح أعيننا على قِدم شكل قصيدة الشطرين ولا ننظر إلى جمالياتها الإبداعية..؟ ّ!

أفلا نجعل لنظراتنا جمالاً مثل نظرات جمال الدين..؟!