آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

مسابقة «تاريخ التشريع الإسلامي» وذكرى رحيل العلامة الفضلي

حسين الخليفة

تزامناً مع الذكرى الثانية لرحيل العلامة الفضلي، نُشر إعلان عن مسابقة تدعو إلى قراءة في كتابه «تاريخ التشريع الإسلامي» ثم يتلقى المتسابقون أسئلة حول الكتاب، ومن إجاباتهم يتم التقييم وتصنيف الفائزين.

فكرة المسابقة ممتازة؛ لأنها تحث على القراءة، فالقراءة شكل من أشكال الإبداع لمن يقرأ بوعي، كما أن اختيار الكتاب كان مهماً جداً وموفقاً؛ فلعل الاختيار يشير إلى إصرار العلامة الفضلي على قراءة تواريخ العلوم لما لها من أثر إيجابي عظيم في تلقي العلوم ببصيرة تستجلي نظرياتها ومسائلها، مما يساهم في تشكيل ذائقة الطالب ووعيه تجاه العلم المدروس، ليقرأ باستنارة ويتبنى بنظرة ثاقبة ويتجاوز بإغماضه رائية وواثقة.

فمن فوائد قراءة تواريخ العلوم أنها تخلص الطالب المتعلم من الجهل البسيط كما تخلص المعلم الذي هجر مقولة «ليس بالإمكان أفضل مما كان» من الجهل المركب الناتج عن فهم المقولات مع إغفال نشأتها وتطورها الطولي أو المحايث لأصلها النسقي، فيتحول إلى مهيمن على مسائل الكتاب بعدما كان مهيمَناً عليه من قِبلها - كما هو ديدن من يقرأ العلم دون تاريخه - فيعظِّم ويقدِّس الأقوال ويجمد عليها في غير محل التعظيم والتقديس.

فلدراسة تواريخ العلوم أثر إيجابي عظيم على طالب العلم وفي تركها تنمو شجرة الجمود ويعلو صوت التقليد والاجترار والتيه في نسبة أصول الأفكار والأخذ برؤى مجهولة المصدر من قبل الآخذ؛ مما يدعوه إلى التصديق بالمرجعيات الغرائبية كما هي حال بعض العلوم المبتنية عليها والمنطلية قضاياها على المتولهين بها ممن يجهلون تواريخ نشأتها وتسلسلها في سلسلة متصلة من المتبنات والمقتبسات المكللة بهالة تصيب من لم يطلعوا على تاريخ مسائلها بالدوار والجذبة فيسلِّم المريد المسكين لشيخه ويكون بين يديه كالميت بين يدي مغسله...!

إنَّ منهجية العلامة الفضلي تريد من طالب العلم أن يكون على بصيرة من أمره من البداية، فطريق العلم هو طريق البصيرة والنور لا طريق التعمية وغسيل العقول بهالات قدسية هائمة، ورشحات إيحائية رتيبة.

من يقرأ للعلامة الفضلي تنكشف له الدائرة التنويرية التي اشتغل عليها، ونحن أحوج ما نكون إليها في أيامنا هذه.. إنها أيام تزدهر فيها الهرطقات، ويُروج لها بفضل وسائل الاتصال المتنوعة والمفتوحة، وهي أيام تُعقلن فيها الخرافة ويُعلى فيها من شأن الماورائيات المنسلخة عن مصدر الوحي، وهو المصدر الوحيد المأمون في تلقيها.

فإننا لا نعدم في الساحة من وجد في مثل هذه النزعة ضالته التي تضفي عليه القداسة وتكون له شأنية بين الجهلة والحمقى والعوام، ولا غرابة في ذلك، فالتزعم من الشهوات المتكالب عليها، ولقد تذمر الإمام الصادق من طلابه الذين يخرجون من حلقة درسة فيتأولون حديثه، لأن كل واحد منهم «يريد أن يكون رأساً» كما يقول الإمام .

رحم الله العلامة الفضلي وأمثاله من العلماء التنويريين الذين يعلمون الأجيال كيف يعون العلم وعي دراية.