آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تأملات في جسد الحياة

يوسف أوال *

الآن وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على ولادتي، لا يمكنني أن أصدق أن الكرة الأرضية تسبح وحدها في هذا الفضاء الكبير، ولا يمكن أن يكون وجودي في هذا العالم مصادفة، ولا يمكنه أن يكون كذلك أبداً، مئتا وأربع وثمانون عظمة، سبع مائة وخمسون من الخيوط الدقيقة والناعمة تتوزع في جسدي بشكلٍ دقيق، اثنان وثلاثون سناً مرتبط كل منها بعصب يمتد إلى الدماغ، ثلاث مائة وستون ممراً من العروق والمسالك، رأس - رقبة - صدر - قلب - كبد - بطن - وركان - فخذان - ساقان - قدمان. لا يمكن أن يكون وجود كل هذا صدفة

هذه الأصابع التي أكتب بها الآن، وهذه العيون التي تراقب السطور سطراً فسطراً، هذه القوة التي تجعلك تترجم هذه الحروف الصغيرة إلى خيال، إلى معاني، إلى حقائق، إلى حياة، لا يمكن أن يكون كل هذا صدفة

صوت الأمطار، ورائحة الشوارع المكتظة بماء المطر، شكل تلك الغيمة التي تحجبني عني مراقبة الغروب، واللَّيل الذي يتسلَّل إلى الأرض التي تعبت من خطانا وخطايانا، الهدوء الذي تغرق فيه تلك النخلة المسنة وسط أرض تنازع الورثة على أمتارها والحدود، فبقت الأرض للنخلة، والنخلة للأرض، وبقت الورثة حتى هذه الساعة يتنازعون طمعاً وكبرياء، لا يمكنني أن أصدق أن كل هذا صدفة

عيناها الواسعتان كالمحيط، وعطرها الفرنسي الذي أنتجته شركة «شانيل» بطريقة عجيبة جداً، ويداها المسالمتان، والموسيقى التي تختارها، وخوفها من المستقبل، وطفولتها الممتدة إلى عروق اليدين، وصوتها، كيف يمكنني أن أتحدث عن صوتها، كيف أصف السكينة التي تغمرني حين أسمع اسمي بصوتها، مستحيل أن يكون صوتها بهذا العمق صدفة يالله

أعلم أن هذا العالم صغير جداً، وأعلم أنه معقّد جداً، وأعلم أن الناس مختلفون في أهم الأشياء، ومتفقون على أتفه الأشياء، لا يمكن لأحد أن يسلب مني إيماني تحت هذا الجو المطير، ولن أسمح لأحد أن يخترق معتقداتي مهما كلف الأمر، ما أتعس أن يفقد الناس إيمانهم، وما أتعس أن تكون معتقداتنا هشة، تتلاعب بها أيدي الشيطان، سمعت وقرأت كثيراً عن ما يقولونه عن التعايش، ولا أتذكر أني رأيت أو سمعت منهم أي شيء إيجابي، أتذكر ذات يوم كنت في رحلة صيفية إلى منطقة «قوا» الهندية، أتذكر أني تحدثت مع أحد السكان الهنود عن التعايش، عن السلام، عن المحبة، فابتسم وقال: نحن نحبّ الجميع، ونعتقد بأنَّ الجميع يحبنا. حينها ابتسمت وتأملت في حركة الأمواج، وضحكات الأطفال، وقلت في نفسي، مستحيل أن تكون هذه الحياة صدفة.

كاتب سعودي - تاروت