آخر تحديث: 14 / 4 / 2021م - 10:34 م

أيام في سلطنة عمان

عبد الباري الدخيل *

كنت قبل أسبوع في زيارة لسلطنة عمان، وقد قضيت ثلاثة أيام في صلاحة ومصلها في مسقط استطعت فيها أن ألتقي أو أتحدث مع بعض الأصدقاء الذين جمع بيني وبينهم العالم الافتراضي أو المراسلات.

تتميز السلطنة بشعبها الطيب، المحب، صاحب الأخلاق المرنة المستوعبة، حتى أنهم ولكرم أخلاقهم كانوا يقولون عن السياح: ضيوف.

لم يكن توقيت الزيارة مناسبا لكون موسم السياحة في صلاة يبدأ في شهر «يوليو» وما يليه حيث الأمطار الموسمية، وكانت مسقط مشغولة عن ضيوفها بقدوم السلطان قابوس من رحلته العلاجية.

رغم ذلك قضيت أياما جميلة، استطعت فيها أن أعيد برمجة المزاج، والاغتسال عن تعب العمل في سويعات أقضيها مع أسرتي تحت ظل شجرة، أو مظلة مسبح.

ممن التقيت به خلال هذه الزيارة الأستاذ عبد الحسين جعفر «عبد الشهيد اللواتي» المعروفي ب «أبو سمية».

أخذنا الحديث يميناً وشمالاً، شرقنا وغربنا، حديث حول الأوضاع، وسرد لتاريخ اللواتيه، وذكريات أول زيارة للشيخ الصفار لعمان.

ثم أهداني كتابه ”ضفاف الروح.. من وحي مكتبة الرسول الاعظم ﷺ“ مختصراً حديثه عن تجربة الشيخ والمؤسسات التي أنشأها هناك.

«مطرح».. الشيخ الصفار مرّ من هنا

كانت البداية في البحرين، ثم في الكويت ومصر، أما عمان فقد تأخرت حتى قرر «الحاج محمد موسى عبداللطيف» دعوة الشيخ للقراءة في عاشوراء الإمام الحسين عام 1974م.

يقول الحاج فياض محمد موسى عبداللطيف - كما جاء في كتاب ضفاف الروح -: الذي عرف سماحة الشيخ على والدي هو محمد شعبان حبيب حمدون «لواتي مقيم في الكويت» ووالدي رحمه الله قام بعمل تأشيرة للشيخ، فقد كان مهتما كثيرا بمجيء الشيخ للسلطنة.

ويضيف.. يقول أبي: عندما رأينا الشيخ في المطار فكرنا بأنه ليس الشيخ المقصود لصغر سنه «لأن سنه آنذاك كان 17 سنة».. وكنا ننتظر خروجه.. وعندما أصبح أمامنا وجها لوجه تغيرت ملامح وجوهنا.. أحسّ الشيخ بالحرج، فتدارك الموقف قائلا: أنا الشيخ حسن موسى الصفار.

وبتابع عن والده: انصدمنا أيّما انصدام، أحسسنا بأننا وقعنا في ورطة كبيرة، وكان حديث النفس وهمسات خاطفة دارت بيننها تقول: ”ولد صغير بهذا العمر أتى لإحياء شهر محرم بأكمله.. كيف؟“، وكنا في شك من ذلك، وتخوف شديد.

وأبان أنهم سلموا أمرهم إلى الله، فسارت الأمور على أحسن ما يرام، وكان الحضور في مجلس الليلة الأولى اقتصر على ممن اعتادوا الحضور من كبار السن وطالبي الأجر والثواب، ومن القائمين على شؤون المأتم، أما المثقفين والواعين الذين يحضرون لأجل الاستزادة فلم يحضر منهم أحد.

وأوضح أن الشيخ الصفار عندما صعد المنبر في تلك الليلة وبدأ في القراءة، انبهر الجميع بصوته العذب الشجي، وبلسانه الفصيح ولغته الواضحة، ومنطقه المقنع الجميل، فانتشرت أخباره بين الناس كانتشار النار في الهشيم، وجاءت الناس لمجلسه في الليلة الثانية من كل حدب وصوب، حتى اضطر القائمون على شؤون المأتم نقل القراءة إلى مسجد الرسول الاعظم ﷺ كونه أوسع وأرحب، فازدحم المجلس بشكل منقطع النظير وكسب سماحته سمعة طيبة، وذاع صيته حتى أصبح حديث الساعة.

إنشاء المشاريع

وقبل الحديث عن المشاريع التي انشأها الشيخ أو اقترحها لابد من توضيح أن الشيعة في عمان ينقسمون إلى اللواتيه/ الحيدرآبادية، والعجم والبحارنه،

لهذا قام الشيخ بتأسيس مكتبة الرسول الأعظم ومقرها فوق مسجد الرسول الأعظم ﷺ عند اللواتية، ومكتبة الإمام الصادق في «جبرو» عند العجم، وعند البحارنة في مسقط أسس الجمعية الاسلامية.

ثم قام الشيخ الصفار بعمل بعض المشاريع التي تهدف إلى بناء جيل قوي من الشباب متسلح بالإيمان بدينه ووطنه، واثق من قدراته، فأسس:

1/ تشكيل إدارة الهيئات الثلاث المذكورة سابقا

2/ البث المباشر: كانت تبث بعض الأدعية والمأثورات وغيرها عبر شبكة مبسطة، وسماعات كانت موزعة في السور «سور اللواتية» في أوقات المغرب لتضفي جوا من الايمان والسرور في قلوب المؤمنين.

3/ تشكيل لجنة التأليف: قام سماحة الشيخ الصفار بوضع النواة الأولى للتأليف، وذلك بتدريب فريق من الشباب الراغب والمتطلع نحو التأليف والكتابة، وكان يعقد معهم جلسات دورية، فمثلا يعطيهم عناوين لعدة مواضيع وهم بدورهم يكتبون فيها ويؤلفون عنها، وفي الجلسة التالية يصحح لهم ويوجههم، وهكذا، حتى بدأ بعضهم يتمكن من الكتابة.

4/ إصدار مجلة الوعي: وهي من إنجازات لجنة التأليف، وقد صدر منها أحد عشر عددا، وهي مجلة دورية تصدر بأسم المكتبة.

5/ إعداد الخطباء والمبلغين: على نفس النمط الذي تم فيه الإعداد والتدريب لفريق التأليف، تم فيه الإعداد للخطباء وقراء المنبر الحسيني، والأساس كان على الخطابة الارتجالية.

6/ حلقات القرآن في شهر رمضان: أسست جماعة تهتم بالحلقات القرآنية ومتابعتها وحضور وتشجيع النشء على الحضور والاستفادة.

7/ الندوات والمسابقات الثقافية: عقدت المكتبة عدد من الندوات والمسابقات الثقافية التي تضمنت حوارات حول هموم الشباب، ومسابقة أحسن مقال.

8/ طبع الكتب الاسلامية: بالإضافة إلى توفير الكتب في المكتبات المذكورة كانت هناك مبادارت لطباعة الكتب وتوزيعها في المناسبات الدينية.

9/ التبرع بالدم: استثمرت مناسبة عاشوراء الحسين بتقديم مجموعة من شباب اللجان للتبرع بالدم للمرضى والمحتاجين، باسم الحسين في مستشفى النهضة.

10/ الحث على الدراسة الحوزوية: بالتشجيع والتأسيس الأولي والحث على طلب العلم انبرى ثلة من الشباب وتحملوا العناء والتحقوا بالدراسة الحوزوية.

11/ دروس نهج البلاغة: في شهر رمضان المبارك عقد سماحة الشيخ الصفار محاضرات ليلية في نهج البلاغة، وهي عبارة عن حلقات متتالية وصلت حتى ثلاثين حلقة، تحت عنوان: دروس في نهج البلاغة.

جاء في كتاب ”ضفاف الروح“ كان لهذه الدروس الأثر الكبير في الاسواط العلمية والدينية لسببين:

الاول: طريقة العرض في تنوع الموضوع وطرحة، ومن ثم علاجه.

ثانيا: أسلوب نقل المحاضرات على أشرطة الكاسيت وتوزيعها، لم يك أسلوبا منتشرا آنذاك.

وفي الختام أذكر عن الكتاب هذه الطرفة: كان لمستضيف الشيخ الصفار سيارتان إحداهما السائق يقود من اليمين والأخرى من اليسار، وكان الشيخ الصفار يعلق ”أنا يوم يميني، ويوم يساري“.