آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كنا صغاراً

كنا صغاراً تسعدنا السكاكر وألعاب الخيال، نحلم بمرافقة أبطال مسلسلاتنا الكرتونية، ننسى العالم بأسره حين تحدثنا الأمهات بحكايا ما لها في الواقع أيّ أساس، كانت البراءة تملأ أيام طفولتنا، نبكي لأسباب كانوا يعتقدون بأنها تافهة، وكنا نضحك كالعصافير، كنا نرى العالم كبير، وكنا نظن أنه بوسعنا السفر إلى الفضاء، كان بعضنا يحلم أن يصبح طيّاراً ليدخل في غيمة، تلك الغيمة لم تكن مجرد دخان، كنا نظن بأن - جرانديزر - يسكن هناك، كنا نرسم فوق الرمل قصوراً تشبه قصور - سندباد - كنا نراه من خلالها، وحين نرى أمهاتنا يتعبدنَّ في المحراب، كنا نتأمل سجاداتهنَّ ونطمح حينها أن نطير بها مثلما كان يطير - علاء الدين - كنا لا نعرف شيئاً عن الحروب والدماء، لا نعرف أسماء الصواريخ، وأنواع الدبابات والمدفعيات، يكفينا أن نرسم من الظلال المنعكسة أرنب، كلب، فراشة، للننسى كل ما كان، تسعدنا سيارة الآيسكريم التي تتجول بين البيوت بصوتها المميز، والتي نركض خلفها بكل لهفة، بكل حبّ، بكل طفولة، ولا يهمنا ماذا سيقول الناس عنا، ولا يهمنا إذا ما وصفنا أحدهم بالمجانين.

بالنسبة لي ركضت كثيراً خلف سيارة مبيد الحشرات، التي لا أراها الآن كثيراً كنا نتنفس ذلك المبيد، نحسبه غيمة جاءت تلاعبنا، جاءت تسابقنا، جاءت لكي نراها ونلمسها، جاءت إلينا لأنها رحيمة، ولطيفة، من يقنعنا حينها أن الدخول في وسط تلك الغيمة! عفواً أعني ذلك المبيد سيؤذينا، من يستطيع أن يقنعنا أنه مبيد حشرات لا غيمة تتجول في الزقاق؟ كنا صغاراً نلعب بالوحل إذا ما سقطت الأمطار وغرقت الشوارع بالماء، نركض تحت المطر، نخالف الأمهات، ولا نهتم كثيراً لتوبيخهنَّ إذا ما رجعنا إلى منازلنا بحالة يرثى لها، كنا نصدق الأساطير، بل ونؤمن بها، وكان يخيفنا شكل الشجرة ليلاً.

كانت أمي تشير بإصبعها إلى شجرة ما، وتقول لي إذا لم تنمْ ستأتي تلك وتأخذك، وكان للشجرة ليلاً اسماً غريباً، فلقد كنا نسميها - أم الخضر والليف - كنا نخاف منها جداً، تلك الشجرة المسالمة لم تكن وحشاً أو عفريتة، تلك الأشجار كانت جميلة في الصباح، مالذي تغير حتى تتحول تلك الشجرة إلى شيء مخيف؟ لم يكن هناك أيّ جواب، لكي لا تنكشف تلك الأكذوبة الجميلة، التي تحد من شقاوة طفولتنا، أتذكر أسطورة أخرى وهي تلك المرأة التي تأتي ظهراً وتسرق الأطفال وتأكلهم! تلك الأخرى كانت تخيفني جداً لدرجة تجعنلي أفضل مشاهدة مسلسل كرتوني لا أحبه، على أن أخرج في تلك الظهيرة الساخنة كرغيف للتو ولد من التنور، وكما قال الشاعر حازم التميمي في قصيدته:

”كُنا صِغارًا ما انتظرنا هُدهُدًا **** يأتي من المجهولِ بالأنباءِ“

كنا صغاراً وكان الحياة بالنسبة لنا أجمل مغامرة، لا نعرف شيئاً عن الله، لكننا نؤمن به، لأنه لا شيء يمنع فطرتنا من التجلي، من الظهور، لم نقرأ النظريات التي تثبت وجود الله، لكننا كلما نظرنا إلى السماء تخيلنا الجنة التي وصفوها لنا، وفكرنا بالألعاب التي فيها، بالبالونات، بالحلوى، بالمثلجات، وصرنا نردد يالله كم جنتك رائعة، صغاراً كنا وكان العالم أجمل مما هو عليه الآن.

كنا نتبادل أطباق الطعام قُبيل الأذان في كل شهور رمضان، كنا لا نشعر بالكآبة، لا نعرفها، كنا نعتقد حين يموت أحد الذين نحبهم بأنه سافر ليجلب لنا الهدايا، ليجلب إلى أمهاتنا البخور، أو أنه ذهب إلى الجنة ولن يعود، لأنهم علمونا بأن من يدخل الجنة لا يعود إلى هذا العالم لأن الجنة أجمل بكثير، كنا صغاراً جميلين وطيبين والآن كبرنا فجأة، وصرنا نشعر بأنَّ هذا العالم ضيق وقبيح، ماذا تغير يا أبي، ماذا تغير يا إخوتي، يوم كنا صغاراً كان المطر لذيذاً وجميلاً.

أما الآن لا شيء يملأنا، لا الأضواء، ولا الإحتفالات، والألعاب النارية.. آه، الألعاب النارية نسيت أن أتحدث عنها، لا شك بأنها من أجمل الأشياء التي كنا نحبها في طفولتنا، ليت أنَّ كل الأشياء القديمة تعود، ليت أنَّا نستيقظ يوماً دون ملل، دون قلق، دون هموم، ليتنا نعود إلى فصول المدرسة الإبتدائية، ننام في حصة الإملاء، ونركض في حصة الرياضة دون تعب، ونرسم في حصة الفنية أشكال أبطالنا والأساطير. آه، إن شيئاً لا يعود حقاً، لكن شيئاً لا يأتي، كبرنا ومات العالم في صدورنا، أفهل هذا العالم الذي كان يوماً جميلاً يموت!

كاتب سعودي - تاروت