آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 8:44 م

إذا حضر الماء

من «الدالوة» إلى «القديح».. وحدتنا الوطنية تنتصر

أحمد محمد الجميعة صحيفة الرياض

الواضح أننا أمام مشوار ربما يطول هذه المرة مع الجماعات الإرهابية، وأكثر من ذلك ربما يأخذ منحى نوعياً آخر في استهداف المدنيين وإثارة الفتنة الطائفية، وتحديداً بعد أحداث الدالوة في الأحساء مطلع نوفمبر 2014، والتي راح ضحيتها سبعة مواطنين ورجلا أمن.. وأمس حادثة تفجير مسجد في بلدة القديح في القطيف ونتج عنه وفيات وإصابات خطيرة.

الفارق الزمني بين الحادثتين لا يتجاوز سبعة أشهر، رغم اختلاف مكان الاستهداف من الأحساء إلى القطيف وهذا له دلائل أُخرى ستكشفها نتائج التحقيق، ولكن الهدف واحد وهو محاولة ضرب الوحدة الوطنية من جذورها، والتمهيد لزعزعة الأمن والاستقرار، وإرباك المشهد الوطني المتلاحم أرضاً وإنساناً وقيادة، ومحاولة استفزاز كل طرف على الآخر، وبث روح الفرقة والانقسام على أساس طائفي.

ويبقى سيناريو الإرهاب في كل مرة محتملاً بسقوط القتلى والمصابين، وتدمير المباني، ولكن لا ينجح إطلاقاً.. إطلاقاً في إثارة الفتنة الطائفية داخل مجتمعنا، والشواهد على ذلك كثيرة، ويكفينا من حادثة الدالوة الأخيرة حين خرج المواطن في الأحساء أكثر وعياً بالمؤمرة، وتمسكاً بثوابت وطنه، وثقة برجال أمنه، ووحدة مجتمعه، وفي المقابل عبّر الوطن من كل حدوده واتجاهاته بتضامنه مع أسر القتلى والجرحى، واصطف مع أهالي الدالوة في مشهد وطني مهيب، وحميم، ونزيه في سلوكه وعاطفته، وهذه المرة سيتكرر مشهد وحدة الوطن في القطيف حين يخرج المواطن هناك وهو أكثر عزماً وتصميماً على مواجهة الإرهاب، ونبذ الطائفية، والالتفاف حول الوطن، والمضي معاً بصف واحد لمواجهة التهديدات، ومثيري الفتنة، وقبل ذلك الثقة برجال الأمن في كشف الحقيقة، وإظهارها في وقت قياسي، وملاحقة كل من تورط في الحادثة الإجرامية، كما حصل في الدالوة حين كانت النتائج أسرع مما توقعه الإرهابيون ومن يقف وراءهم.

أعود مرة أخرى للفارق الزمني بين الدالوة والقديح، وهو فارق بسيط في إعداد وتجهيز وتجنيد إرهابيين لتنفيذ عملياتهم الجبانة، واستهداف الأبرياء، وهو ما يعطينا دلائل عدة أبرزها «أولاً» أن هناك خلايا لا يزال تجنيدها واستمالاتها والتأثير فيها من أهم أهداف الجماعات الإرهابية، حيث أخذت وقتاً ليس طويلاً في التشكيل الإلكتروني، والفكري، والسلوكي، وربما التدريب خارج الوطن، وعادت مرة أخرى لمهمة التنفيذ، وهو ما يعني أننا أمام تحد لمواجهة تجنيد الشباب لصالح التنظيمات الإرهابية، و«ثانياً» ان هذه الجماعات تبحث لها عن مسرح للتواجد على الأراضي السعودية لإظهار جزء من مكانتها، وقوتها، ولفت الانتباه إليها، وهذا يعني أن المملكة هي على رأس الدول المستهدفة من الإرهاب، وزاد عليه إثارة الفتنة الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، و«ثالثاً» ان الجماعات الإرهابية تدرك أن الجهات الأمنية في المملكة أحبطت لها محاولات عدة لاختراق الحدود، أو محاولة استهداف مواقع حيوية، أو مدنية، وهو ما تحقق في مناسبات كثيرة ولم يعلن عن معظمها، وبالتالي هذه الجماعات تعلم أن عملية إرهابية واحدة من بين عشرات العمليات التي تم وأدها في بداياتها من قبل رجال الأمن في المملكة يعد لها مكسباً كبيراً، ولكن الذي لا تدركه هذه الجماعات أن انفلات عملية هنا أو هناك يكشف مزيداً من المعلومات والحقائق، ويظهر نسيجاً وطنياً أكثر تماسكاً من قبل، ويمنح الجميع فرصة الوعي بالتهديدات والتحديات، وبالتالي رغم الألم والجرح الذي فينا من عملية القديح سوف ننهض أقوياء، وأكثر تصميماً على المواجهة، والوقوف مع رجال الأمن.

أيضاً الفارق الزمني بين الدالوة والقديح تغيّرت معه عوامل عدة، أهمها أحداث المنطقة، وعاصفة الحزم تحديداً، وتداعياتها سياسياً وأمنياً وعسكرياً، وهو ما يعني أن حالة الحرب التي خاضتها قوات التحالف في اليمن لاستعادة شرعيته من الانقلابيين؛ لا بد أن يكون لها تبعات أمنية، وهو فعلاً ما تصدت له قوات الأمن في مناسبات كثيرة جداً، ونجحت، ولكن يبقى وعي المواطن هو الأهم في هذه المرحلة الحساسة، ويدرك أن وحدته هي سلاحه، ومصدر قوته، وهو فعلاً ما شاهدناه من ردود فعل على مواقع التواصل الاجتماعي حين وقف الجميع مع القديح، وأهلها، واعتبروا أن المصاب والألم هو لنا جميعاً، وجرح جزء من الوطن هو جرح لبقيته، وهو ما يعني أن مخطط الطائفية فشل مع ردة الفعل الأولى، والأيام شاهدة على أن هذا الوطن لا يخسر، ولا ينكسر أمام الطائفية البغيضة.