آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في حوار اتسم بالصراحة والشفافية وتناول مواضيع متعددة وساخنة

الشيخ اليوسف: أنا مهموم دائمًا بإنتاج أفكار جديدة أو بلورة أفكار بحاجة لصياغة جديدة

جهينة الإخبارية موقع الشيخ عبد الله اليوسف
الأستاذ حسن الخاطر محاوراً الشيخ عبد الله اليوسف
الأستاذ حسن الخاطر محاوراً الشيخ عبد الله اليوسف

الشيخ عبد الله اليوسف، أحبَّ القراءة وشغف بها من الصغر، وسافر لطلب العلم، وعرف بنشاطه الاجتماعي، وقد قدّم للمكتبة العربية ما يقرب من أربعين مؤلفًا حول: السيرة، والثقافة، والفقه الإسلامي، والتراجم، والشباب والمرأة، والقضايا الاجتماعية.

وأنا مقتنع تمامًا بأن شخصية كشخصية الشيخ الكاتب اليوسف، جديرة بتسليط العدسة عليها، وإذا أخذنا كمقياس رقمي لعدد الكتب التي أنتجها نلحظ أنها تحتل مكانة متقدمة جدًّا، ربما تكون الثالثة أو الرابعة بين كتّاب القطيف في هذا القرن، وهذه حقيقة جديرة بالملاحظة.

إنني أبدأ هذه الحوارات عادة من خلال طرح مثل هذا السؤال، هل لك بإخبارنا عن ولادتك، ونشأتك، ودراستك الأكاديمية والحوزوية؟

ولدت في 20 من شهر شعبان 1383هـ، الموافق الخامس من يناير 1964م، في بلدة الحلة، إحدى قرى محافظة القطيف، وقد نشأت وترعرعت في أحضانها. والحلة كانت أشبه بالحديقة الغنّاء حيث تحيط بها المزارع والبساتين من كل الجهات، وكنا نتلذذ بالأكل من ثمارها الطازجة، ونسبح في عيونها المتنوعة. وكنتُ منذ الصغر أميل للقضايا العقلية والعلمية، وعازفًا عن الألعاب المختلفة إلا فيما قلّ وندر، وكنت أحرص على اقتناء الكتب والمطالعة، وحضور مجالس الذكر والعبادة.

أما عن دراستي فقد درستُ الابتدائية في مدرسة حلة محيش الابتدائية ثم المتوسطة في بلدة أم الحمام، ثم عملت في شركة الهاتف، والتحقت بالثانوية التجارية ليلًا في مدينة القطيف. كما التحقت بمعهد الإدارة العامة بالدمام أوائل عام 1402هـ، وأنهيت دورة في السكرتارية.

في شهر رمضان عام 1402هـ، توجهت لدراسة العلوم الشرعية في الحوزة العلمية في إيران وبقيت فيها حتى عام 1409هـ، لم أنزل خلالها للبلاد إلا مرة واحدة عام 1404هـ، لأداء مناسك الحج. ثم أخذت أذهب فترات محددة لإكمال الدراسة الحوزوية في قم المقدسة وحضور بحث الخارج عند بعض أساتذتها. كما حضرت شطرًا من الزمن في الحوزة العلمية في السيدة زينب وفي حوزة القطيف العلمية. وكما كنت أدرسُ كنت مدرسًا أيضًا لبعض الدروس الحوزوية، كما هو المعتاد في الحوزات العلمية حيث يكون الإنسان طالبًا ومعلمًا في الوقت عينه.

أما عن الدراسة الأكاديمية فقد انتسبت لبعض الجامعات وأخذت شهادات جامعية وفي أكثر من جامعة، وأخيرًا حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة المصطفى العالمية في قم المقدسة في تخصص الفقه والمعارف الإسلامية منذ ما يقارب الشهرين، علمًا بأنني حصلت ومن نفس الجامعة على شهادة الماجستير في الثقافة والمعارف الإسلامية عام 1430هـ - 2009م.

إن لم يكن هناك من إحراج، ما هو دورك الذي تمارسه كعالم دين في المجتمع؟

عالم الدين يمكنه القيام بالكثير من الأدوار والمهام الرسالية والعلمية والإصلاحية في المجتمع، وانطلاقًا من المسؤولية الدينية والأخلاقية أقوم بما أستطيع القيام به من أعمال وأنشطة كإمام لصلاة الجماعة، وإلقاء المحاضرات، وتدريس العلوم الشرعية، وتأليف الكتب، والمشاركة في المؤتمرات العلمية المحلية والدولية، والمساهمة في حل بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية... وغيرها.

ماذا تعني بقولك في مقدمة كتابك «دور المرأة في النهضة الحسينية»: «إن المرأة تستطيع القيام بالكثير من الأدوار والمهام الكبيرة»؟ وما هي الأدوار التي تستطيع المرأة القيام بها في الوقت الحالي؟

تستطيع المرأة المعاصرة القيام بالكثير من المهام والأدوار التي تساهم في إنماء المجتمع وتطوره، فيمكنها من خلال ممارسة دور الأمومة تربية جيل متديّن وخلوق وواعٍ؛ وهو دور تتقنه المرأة أكثر من الرجل.

ويمكنها أن تكون داعية إلى الله تعالى، ومبلِّغة لأحكام دينه، وناشرة لمفاهيم الإسلام ومبادئه بين الناس. وتستطيع المرأة أن تمارس بعض الأعمال المناسبة لطبيعتها وتكوينها الأنثوي كالتمريض والطبابة والتعليم والحضانة.. ومثل هذه الأعمال أصبحت ضرورة وحاجة إنسانية واجتماعية واقتصادية.

كما يمكن للمرأة المثقفة نشر الوعي الثقافي في المجتمع، وتفعيل الحركة الثقافية من خلال تأليف الكتب، وإلقاء المحاضرات، وتأسيس منتديات ثقافية خاصة بالنساء، وتنمية المهارات الأدبية والمواهب العلمية عند الفتيات.. إلخ.

يبدو واضحًا إلى حدٍّ ما، اهتمامك بموضوع المرأة، كما في بعض كتبك، أريدك أن تتكلم بموافقتك أو اعتراضك وبلغة واضحة مبتعدًا فيها عن الضبابية وغير معقدة تتصف بالبساطة يفهمها الكل، حول:

صلاة المرأة جماعة في المسجد؟

أراه مفيدًا جدًّا؛ لأن حضورها يساهم في تعلمها للأحكام الشرعية، والإفادة من الدروس والأنشطة الدينية التي تقام في المسجد، بالإضافة إلى ثواب صلاة الجماعة، وتقوية الحالة الدينية عند الفتيات.

قيادة المرأة للسيارة؟

لا مانع شرعًا من قيادة المرأة للسيارة، وقد أفتى فقهاؤنا منذ زمن بعيد بجواز ذلك مع الالتزام بالحجاب والحشمة. وأرى أن قيادة المرأة للسيارة أفضل بكثير من أن يقود لها سائق أجنبي السيارة؛ وما قد ينتج عنه من سلبيات وسيئات. لكن هذا لا يعني أن قيادة المرأة للسيارة ليس لها سلبيات أيضًا لكن إيجابياتها أكثر، وأصبحت ضرورة في حياتنا المعاصرة.

كشف المرأة لوجهها؟

المشهور بين الفقهاء جواز ذلك من غير زينة أو خوف افتتان وريبة، وإن كان الأحوط استحبابًا تغطية الوجه. وللعرف الاجتماعي أثره في مثل هذه المسألة، لذلك ينبغي مراعاته.

هناك متدينون محافظون جدًّا يعارضون بشدّة فكرة قيام المرأة بدور خارج بيتها، بيّن وجهة نظرك حول ذلك؟

هذا التصور خاطئ، وناتج إما عن فهم خاطئ لبعض النصوص الدينية، أو مسايرة للعادات والتقاليد الاجتماعية السائدة، لكن الرؤية الإسلامية هو جواز عمل المرأة في كل ما يتناسب مع طبيعتها الأنثوية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية. أما إذا أراد أحد أن يمنع زوجته أو ابنته من ممارسة العمل الوظيفي فهذا شيء شخصي، لكن لا يصح إعطاؤه صفة الحرمة أو أن الدين ينهى عن ذلك.

لقد أولى الدكتور اليوسف اهتمامًا كبيرًا للعمل التطوعي في محاضراته وقد أفرد ثلاثة كتب في ذلك، فهل بإمكانك إعطاء أمثلة من واقع مجتمعنا حول ذلك؟

العمل التطوعي في مجتمعنا يمرّ بمرحلة تطور من حيث الأداء، وابتداع أساليب جديدة، لكن ثقافته بحاجة إلى المزيد من البلورة بلغة معاصرة. أما الأمثلة التي توحي بمناشط وفعاليات العمل التطوعي فهي كثيرة، كمهرجانات الزواج الجماعي، واللجان المتعددة والمتنوعة في اهتماماتها، والجمعيات الخيرية.. إلخ، لكننا بحاجة ماسة لبناء مشاريع تطوعية إستراتيجية كالمستشفيات والجامعات والمعاهد العلمية.

هل لك ببيان سبب منطقي واحد بشغفك الشديد بالكتابة، على الرغم أن الكتاب في الوطن العربي تكاد ألا تكون له قيمة؟ وربما يكون من المحتمل أن لا يقرأ كتبك أحد؟!

ورد في الحديث الشريف: «زكاة العلم نشره». والكتابة من أهم الأدوات لنشر المعرفة والعلم، ثم إن الكتابة جزء لا يتجزأ من كياني وشخصيتي، فأنا مهموم دائمًا بإنتاج أفكار جديدة، أو بلورة أفكار بحاجة لصياغة جديدة تسهم في جذب الجيل المعاصر لما أكتب وأنشر. أضف إلى ذلك أن العلم قيمته ذاتية، ودائمًا توجد نخبة تبحث عن العلم والفكر، ويبقى للكتاب الجيد والمفيد جاذبيته وأثره، وقد يمتد ذلك الأثر لقرون قادمة!

تكلمتم حول الحج عنوان لوحدة المسلمين، فماذا تقول في بعض الممارسات المشاهدة خلال الطواف حول الكعبة من ذكر بعض الأدعية الخاصة بالمذهب كدعاء الفرج مثلًا، وبصورة جهرية، وعندما ننظر أيضًا في النفرة أثناء الخروج من منى وقت الظهيرة نلاحظ إطلاق بعض الشعارات الخاصة؟ فهل هذه الممارسات تتعارض مع فكرة الوحدة الإسلامية؟

قراءة الأدعية المأثورة لا تتنافى مع الوحدة الإسلامية، فكلّ الأدعية الواردة عن أهل البيت تركز على التوحيد، ومناجاة الله عزّ وجلّ، والانقطاع إليه، وطلب المغفرة والعفو منه تبارك وتعالى.

أما رفع بعض الشعارات الخاصة فإن كانت فيها ما يثير الحساسيات المذهبية، ويهيج العصبيات الطائفية، فيجب الابتعاد عنها سواء في الحج أم في غيره، يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92].

لقد كتبتم حول الخمس، وإنني دائمًا أتساءل، ما هو السبب أو مجموعة الأسباب التي تجعل الناس يشككون في أمانة عالم الدين حول أموال الخمس؟ وما هي الاقتراحات المناسبة التي تراها، والتي تجعل عالم الدين في مأمن من التشكيك؟

عندنا قاعدة فقهية تسمى: قاعدة الصحة، ومعناها حمل فعل المسلم على الصحة، كما أن الأصل حسن الظن بالمؤمن. أما التشكيك بأمانة عالم الدين ونزاهته فقد يكون ناتجًا من سوء الظن والتخمين غير القائم على دليل قطعي، أو لالتباسات في بعض التصرفات، أو لسوء فهم وما أشبه. والحل في الأخذ بقاعدة أصالة الصحة، واجتناب سوء الظن، ومناقشة عالم الدين فيما يبدو مثيرًا للانتباه ولكن بأدب واحترام. فعالم الدين في النهاية ليس معصومًا عن الخطأ، وهو محاسب أمام الله عزّ وجلّ عن جميع تصرفاته.

من خلال بعض المشاهدات نلاحظ، أن بعض علماء الدين يعيشون في حالة من الرفاهية تفوق رفاهية الأثرياء علمًا أنه لا مصدر لهم من المال سوى الحقوق الشرعية، أرجو التوسع في تعليقك على هذا الموضوع؟

ليس صحيحًا أن المصدر الوحيد للعلماء والطلبة هو الحقوق الشرعية فقط؛ بل إنني أعرف شخصيًّا بعض علماء الدين لا يأخذون ولا ريالًا واحدًا في معيشتهم الشخصية من الحقوق الشرعية، والبعض يأخذ في حال الضرورة فقط؛ علمًا بأنه يجوز لعالم الدين أن يأخذ بمقدار حاجته من الحقوق الشرعية.

والأمر الآخر، إن مصادر المال عند العلماء متنوعة، فبعضهم خطباء ويحصلون على ما يفيض عن حاجتهم السنوية، وبعضهم لديهم مشاريع استثمارية تدرّ عليهم أموالًا، وبعضهم ينالهم حظ وافر من الإرث، وبعضهم موظفون كمدرسين... فالرزق بيد الله تعالى، وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ [النحل: 71]، فكما يوجد أغنياء من طبقة العلماء كذلك يوجد فقراء بالكاد يحصلون على ما يكفيهم لقوت شهرهم، مثلهم في ذلك مثل بقية الشرائح الاجتماعية. نعم يصح الإشكال لو كان العالم يعيش برفاهية من الحقوق الشرعية وليس من الأموال التي حصل عليها بالطرق المشروعة الأخرى. وطبعًا ما تقدم لا ينفي وجود بعض التصرفات المالية الخاطئة أو بعض الأخطاء غير المقصودة التي قد يقع فيها أي شخص ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ [يوسف: 53]، لكن التعميم خطأ منطقي، وتضخيم السلبيات يضرّ أكثر مما يفيد، والاتهام والافتراء من غير دليل قطعي محرم شرعًا.

هل لي بمعرفة، إذا كنت سعيدًا لكونك عالم دين أم لا؟

سعيد جدًّا، وأحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة الكبرى أن وفقني لأكون عالم دين؛ لأنه ينسجم مع ذاتي وميولي الشخصية، كما أن العلوم الشرعية أشرف العلوم وأفضلها.

كلمة أخيرة للشيخ الدكتور عبد الله اليوسف؟

كلمتي الأخيرة أوجهها للجيل الجديد من الشباب والفتيات بضرورة الاهتمام بالعلم، واكتساب المعارف، والتخصص في أرقى التخصصات العلمية المفيدة، والانفتاح على العلماء الربانيين والواعين لتجسير الفجوة بين الشباب والعلماء، والإفادة المتبادلة حتى يحصل التكامل في العلم والعمل.