آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 9:28 م

خذوا بأيدينا

غادة المختار

لا بد من وقفة مع الأرامل والأيتام، فهناك متسع من الوقت يمنحنا الفرصة لمد أيدينا إليهم.

إن عجلة الزمن في دوران ولا يوقفها موت إنسان، فموته ليس نقطة النهاية، بل بداية لقصة كفاح مكتوبة ومرسومة رسما متقنا.. وما يقدر الله إلا خيرا. لكننا نحتاج أن نجد ونحدد خريطة الظروف المحيطة.

فمن فقدت زوجها كانت مغمورة بفيض من الحب والرأفة والحنان، كانت في أمن مع هذا الرجل الذي كان جل اهتمامه حمايتها وأطفالها، وتأمين حاجاتهم الأولية والنفسية، وقد أصبحت بعد فقد الرفيق أرملة وأم لأيتام.

إن الفقد أمر ليس سهلاً، وبخاصة اذا كان المفقود هو مصدر الأمان. الفقد هنا حتما يشكل صدمة، وغالبا ما تكون مصحوبة بقلق شديد ومستمر، وقد تكون مصحوبة بفقدان للشهية وصعوبة في النوم وأحلاما مزعجة مع عدم وجود قابلية للاسترخاء، بل ترقب ووجل مما حدث وارتداداته المجهولة.

من الضروري للفاقدة التنفيس، سواءً بالبكاء أو بأي وسيلة أخرى. كما تحتاج الاحتواء في الوقت ذاته، وقد تدخل في مرحلة من الكآبة، وهذا الأمر يحتاج لتروي وحكمة ومسانده من المحيطين.. وهنا يأتي دور الدعم الصحيح عن طريق الحوارات الإيجابية. ولا نتعجل اذا أدت الصدمة لبروز مظاهر نفسية مرضية ربما تدفع بالمحيطين لطلب تدخل الطبيب، لأن غالبية هذه الاضطرابات قد تكون عابرة. إلا اذا طالت وتأزمت هنا يستوجب التدخل. في النهاية، لابد انها، بعد مدة ستشفى من آثار الحزن. هذا ليس عيبا، بل هو أمر طبيعي ولا يخجل أو يشعر بالذنب... فترفقوا بها.

أما مع اليتيم فلا بد من وقفة أخرى لنستطيع انتشاله من هول الصدمة، كي نصنع منه قوة بدلاً من الضعف.

فبعد وقوع الأحداث التي تعرضوا لها، لا شك من تأثر الأطفال، ونحن في واقع الأمر لا نستطيع إبعادهم عما يجري حولهم. فقد يتعرضون لخوف مزمن من الأحداث والأشخاص وبعض الأصوات المصاحبة للموقف. وقد تسبب لهم صدمة عصبية ونفسية مثل العزلة أو فقدان الشهية والتشاؤم، وقد تكون مصحوبة بسرعة ضربات القلب وصعوبة في التنفس لمجرد تذكر الحدث واحياناً بما تكون سبباً في التبول اللا إرادي وتراجع في بعض التصرفات حيث لابد من التأثر بالمشاهد وهذا أمر طبيعي.

هنا، تأتي أهمية دور الأسرة والمجتمع القريبين من هذا الطفل في مساندته. سواءً كان يتيما أو متأثراً بالحدث، بحيث يكون لليتيم نصيباً أكبر من التركيز والرعاية.. مما يتطلب منا زرع الإحساس بالثقة بأن المولى عزوجل قادر على كل شيء... يجب أن يلف الأطفال بدعم نفسي حتى لا يفقدون الشعور بالأمان، وعدم منعهم من التعبير عن مشاعرهم حتى لو بالبكاء وتكرار الأسئلة المطروحة، ويجب هنا أن نعطي أجوبة منطقية ونبتعد عن الكذب ولا بأس بشرح مبسط يشعرهم بالثقة بمن حولهم، لأنهم في الدائرة معنا وسيعلمون الحقيقة لا محال... ويمكننا إبتكار العديد من الطرق لاحتوائهم، عن طريق سرد القصص أو حتى اللعب لهدوء النفس والعودة تدريجيا للحالة الطبيعية.

لنلبس هؤلاء الأطفال ثوبا من الحب والحنان. ونقدم الدعم الإيجابي عبر حاجتهم للتقدير والاحترام لأنهما مهمان في تكوين شخصية الطفل ووجوده ومكانته بين الأخرين، وهي مهمة جدا في زرع الثقة لديه، وتشجيعه على الإنجاز، بل تقديره على ذلك هو الأهم. فهذا يقّوم ما لديه من إمكانيات.

ولتربية اليتيم، وبقدر ما يكون هناك حب وحنان، لا بد من وجود حزم وحسم... يحتاج الطفل اليتيم عند ارتكاب الخطأ إلى تعامل خاص حتى لا يؤثر على بنائه النفسي وسلوكه لأنه أكثر حساسية من أقرانه.. فأحيانا يشعر بالضعف وفقدان القوة مما يتطلب إشباع حاجاته ونصنع من ضعفة قوة وميزة.

«على الرغم من فقدان والدك يا بني فأنت بطل» هكذا نصنع من الدمار رجال نستطيع الاعتماد عليهم.