آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وحق علاك يا أمير المؤمنين «1»

عندما نتحدث عن شخصية تمثلت فيها الفضيلة والإنسانية الحقة، فقطعا لا نعدو كنه التقى والعدل وخلاصة الأنبياء والمرسلين في صفاته ومعالم سيرته، فأمير المؤمنين صفحة مشرقة في تاريخ البشرية لا نظير له في ما سطره من لوحة الشرف والبطولة.

تلاقت العقول النيرة المتخلية عن كل تعنت وتعصب على إجلال عظيم لن يجود الزمان بمثله، كان على أعلى درجات الكمال الإنساني، فاستحق أن يكون نفس أفضل الخلق ﷺ، فكل معاني الإنسانية الساحرة والجاذبة للعقول والقلوب احتواها، فكانت شخصيته منظومة متكاملة من عناصر الخلق الإنساني الرفيع.

فإشراقة وجهه مدرسة ملهمة لمعاني الهيبة والخشوع لله عز وجل، فكان صمته أفضل دروس في الإعراض عن توافه الأمور وسفاسف الدنيا والخنا من القول، وإن نطق تفجرت بين جنباته كنوز الحكمة وينابيع المعارف الحقة.

فأي تاج من عفة النفس قد لبسه ، فلم تكن نفسه إلا رهينة ليقظة دائمة لا تهجم عليها من الشيطان حتى خواطر الأوهام، ولم يكن في يوم لإحدى جوارحه عدوان على أحد حتى ممن أساؤوا واعتدوا عليه، فكان يقتلع جذور الشر والحقد من قلوبهم بروح التسامح والصفح، والترفع عن التشفي والانتقام، فالأقوياء وأبناء الآخرة هم من يعفون عند المقدرة، ولا يلجأون يوما إلى التنزل إلى رد الظلم والبذاءة والشتم بمثله، وأنى لعلي بدنيا المسيئين وقد تربى في حجر ﴿و إنك لعلى خلق عظيم.

الفتى الفدائي: إننا بين يدي من حمل هم الدعوة الإسلامية، ومن كان عضد رسول الله والسيف الممضي ضد أعداء الله، واللسان الناطق بالدعوة لتوحيد الله والنهي عن الكفر بآلائه، فكانت وقائع الرسول ﷺ شاهدة بذلك البطل الذي سطر أروع البطولات، فكان له في ميادين الحرب شرف رد كيد أعداء الله وكسر أنوف التكبر والشرك، فكانت نصرته لدين الله خير معين لانتشاره بين الناس ومخلدة لدين الله تعالى في العقول والقلوب.

وكان مبيته على فراش رسول الله ﷺ ليلة هجرته إلى يثرب أروع نماذج الفداء والتضحية في سبيل الدين وحفظه، فأقصى ما كان يحمله الغادرون من التجمع الشبابي الإجرامي الذي اجتمع على قتل الرسول هو الموت، وهنا المفارقة العجيبة، فعلي لا يأبه بالموت بل ويأنس به كأنس الطفل بصدر أمه، بل كان الموت السلاح الماضي في سيف أمير المؤمنين ، فلم يجرؤ أحد على الاقتراب منه عدوانا في الحروب إلا وكان قتله لا يكلف أكثر من ضربة واحدة لا ثاني لها.

إشراقات علوية: إننا على موعد مع ذلك الإنسان الذي امتشق النبل الأخلاقي، فجسد في دنيانا كل معالم العدالة والإنصاف، واحترام الإنسانية بغض النظر عن العناوين الدينية أو العنصرية، في زمان كانت الطبقية والعصبيات القومية تعج بها العقول الآفنة لبعض الناس.

لقد كان اليد التي تمسح على رؤوس اليتامى، وتضع اللقمة في أفواههم الفاغرة بسبب الحرمان وجشع الإنسان، فكان الركن الوثيق الذي لجأ إليه الضعفاء والمحتاجين.

الزاهد في الدنيا: وفي زهده يطرح أمير المؤمنين مدرسة الوعي والسلوك الفاضل، فحقيقة الدنيا حطام زائل لا يستحق كل ذلك التدافع والاقتتال من أجله، ولكل إنسان منها نصيب الكفاية لاحتياجاته فلم الطمع والجشع؟

فانصرف عن الدنيا وقد أشهد الناس على طلاقها وفراقها، فهي متسلطة على المفتونين بها.

فالزهد الحقيق سعي لطلب الرزق من وجهه الحلال، وإنفاق ما زاد على النفقة والمؤونة في أوجه الخير وأبواب المعروف، فعلي رحل من هذه الدنيا ولم يخلف من المال شيئا، فقد كان كريما في عطائه.