آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

ضفاف ليلة الإشراق

الصوم يخلق معالم المدينة الفاضلة، ويحقق للفرد أعلى درجات الرقي والكمال، من خلال تخليصه من ربقة الشهوات وأغلالها؛ لينعم بحريته وكرامته الحقيقية، والمتمثلة بقدرته على مواجهة المخاطر المحدقة به، إنها الشهوات القاتلة والمدمرة، وما أحوجنا إلى ما ينبهنا للامتناع عن الاستجابة لهتاف النزوات.

إنها الليلة التي ينتظرها المؤمنون بشغف، هي ليلة القدر العظيمة التي يصمد لها؛ لينال بركاتها وتزهر أنوارها في قلبه، لابد أن تزيل أسباب الظلمة الناشئة من ممارساته الخاطئة واقترافه السيئات.

فكما يسعى الإنسان ويحرص على نظافة ملتبسه وبدنه، وأن يظهر بأبهى صورة وأجملها أمام الناس، فليكن كذلك سعيه للظهور بصورة ناصعة بيضاء أمام خالقه، وذلك بأن يزيل الأدران وأوساخ الكراهية والحقد من قابه، فإن القلوب مواضع نظر الله تعالى.

ويتضاد في قلب الإنسان ويتنازعه كوامن الخير والشر، اليقظة والغفلة، وعليه أن يرفع أسباب العفلة عن قلبه، فالذنوب - وهي الأوساخ المعنوية - تتكاثر في قلبه حتى تستولي عليه فلا يفلح بعدها أبدا.

ومما يطهر القلب من مرض الغفلة أن يرى أحوال الناس في هذه الحياة الدنيا، ممن تولعوا بزينتها وحطامها الزائل، فكم أحبوها وبذلوا لها أوقاتهم وأعمارهم، وما هي إلا مدة زمنية محدودة مشوبة بالمنغصات حتى ارتحلوا عنها، فأضحوا أثرا وذكرى بعد عين ووجود!

ولتكن ليلة القدر العظيمة من أهم محطات المحاسبة والمراقبة لتصرفاتنا ومعالجة سلبياتنا وأخطائنا، ومنها روح التبلد في الإحساس بالآخرين، فهناك من لا يشعر إلا بنفسه فقط ومن هم حوله لا مكان لهم في مشاعره واهتمامه، ولا وقت عنده لاستشعار همومهم وتخفيف متاعبهم، فمتى يأتي الوقت الذي يتخلص فيه من هذه النفسية المستصحبة لكراهية ونفور الناس منه؟

التأمل في حاله هذه الليلة فرصة ذهبية للتخلص من هذا الشعور السلبي تجاه الآخرين، وعدم التفكير في مد يد العون والمساعدة لهم، فإن من موجبات العفو الإلهي عن تقصيرنا وذنوبنا هو إشراقات العطاء والعون للغير وقضاء حوائجهم، فإنها تكون موضع رأفة إلهية بعبده المبارك في نفعيته للآخرين.

وقوام هذه الليلة المباركة الدعاء والمناجاة، وحقيقته هو تلك المعاني التي تختلج في نفس العبد، فيتوجه بها إلى القادر على قضاء حوائجه، يستمد من التوجه إلى الله طاقة الصبر والأمل والتخلي عن الصفات السيئة؛ ليرجع إلى العالم المادي في واقعه وأحداثه وعلاقاته بالغير، فيؤدي رسالة الحق والخير وبث روح المحبة.

المهم في أدب الخطاب مع الله تعالى هو أن يحصل ذلك التوجه إلى الله، فكل حواسه متجهة إلى ربها دون أن تنشغل بحطام الدنيا فيفرغ فؤاده من أدنى عناية بها، والكلمات المعبرة عما في نفسه ووجدانه وضميره دليل على صدق توجهه إلى الله تعالى.

إن ذكر الله يحيي القلوب كما تحيا الأرض بالمطر، وليس الذكر هو مجرد تحريك اللسان بالتسبيح والتحميد فقط، بل هو اتصال القلب بالله عز وجل ومراقبته على الدوام، حتى لا ينسى العبد عظمة الخالق الكبير ورقابته له في كل أحواله، فليحذر عقابه قبل أي خطوة يقدم عليها.

وفي تأمله لعلاقاته بالآخرين في ليلة القدر، فليجعل قوامها المحبة وصدق الإخاء وتحمل أخطاء وهفوات الغير، فروح التسامح والترفع عن الانتقام وتوجيه الإساءات أو ردات الفعل الغاضبة، هي أجنحة نجاحه في إقامة أفضل العلاقات مع أسرته وأرحامه وأصدقائه.