آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

خارج جدارية الزمن

يدار البحث حول مدى تأثير البيئة والمحيط الذي ينشأ فيه الإنسان، فأفكاره وسلوكياته وتوجهاته تنطلق من نبع ذاتي يصنعه لنفسه، بما استدره عقله من خلاصات معرفية تلقفها وتفتق عنها ذهنه، أم أن المرء ابن بيئته كما يقال فلا يخرج في منابته التكوينية عما تجذر به محيطه الأسري والاجتماعي، فيمكنك التنبؤ بما سيكون عليه أجيال هذه المنطقة مستقبلا من خلال استقراء المنظومة الثقافية والتنشئة التي يحصلون عليها؟

وجهات نظر: هما وجهتا نظر تتأرجحان بين مفترق طريقين، وكلاهما له وجه قوي ومنطق رصين يعتمد على أسس علمية وقراءة تجريبية، فمن انتحى إلى فكرة الإنسان لا يخرج في اتجاهاته عن البيئة التي نشأ إليها، يثبت دعواه من خلال تأثير التربية الأسرية والقيم والآداب الاجتماعية التي يتلقاها الإنسان، فالمرء الصالح والمتفوق والمهذب في سلوكياته يعزى ذلك السلوك منه للاستظلال بالتربية السليمة التي نعم بها، فكانت العامل الكبير في تألقه.

وفي المقابل فإن المسلك الإجرامي أو حالة الفساد الأخلاقي الذي اتجه إليه لم يكن أصلا فيه، بل كانت البيئة الفاسدة التي قبع فيها أكبر جناية في حقه، فلم يكن أمامه أي خيار آخر، فلا يبحث عن النور والضياء إلا من استشعر الخوف من الظلام، وأما هذا الفرد فلم يجد غضاضة أو حرجا من سلوك لا يجد من ينكر عليه فعله.

وجهة النظر الأخرى لا تنكر تأثير البيئة الصالحة أو الفاسدة على شخصية الإنسان، ولكن الفارق بينها وبين الوجهة الأولى، هو أن هذا العامل ليس على نحو التمام والكلية والهيمنة على طريقة تفكير المرء وتصرفاته، بل هي جزئية التأثير ويمكن له أن يتجاوز هذا العامل الضاغط عليه والموجه له نحو جهة معينة، من خلال العامل الأقوى والمعتمد في تشكيل شخصيته وتعنونها بصفات معينة.

الغلبة الفكرية: إن العقل النشط والواعي والمميز بين السبل والسلوكيات ليكشف للمرء الواقع بكل شفافية، فيستطيع أن يرسم معالم طريق النجاح والصلاح من جهة، ويتعرف على موارد الخطايا والرذيلة والمقبوحيات من التصرفات من جهة أخرى، وتعمية البيئة الفاسدة على رؤيته الواضحة ليست بأكثر من لوح ضبابي سريعا ما ينقشع تحت تأثير أشعة شمس تفكيره وتأمله الواعي والناضج.

وليس من الصوابية رفع سقف تأثير البيئة لدرجة الجبرية والقاهرية للاتجاه نحو مسير معين، فهذا إلغاء لجانب مهم في تمييز وتقويم شخصية الإنسان وهي الإرادة والقدرة على إدارة دفة حياته وفق ما يراه يصب في مصلحته، وما يجنبه التأثيرات السلبية والسيئة عندما يتلبس بأي سلوك مشين، تعقبه الحسرة والندامة على ارتكابه.

نماذج مشرفة: إننا أمام نماذج كثيرة استطاعت أن تخرق جدارية زمن الأفكار المتبلدة والسلوكيات البغيضة في مجتمعهم، فكانوا شمسا مضيئة في دنيا الاقتدار الإنساني، وذلك بتغليب قوة العقل والإرادة على صنع عالم خال من كل الشوائب الثقافية والاجتماعية، وهي ليست بحالات فردية بل تشكل ظاهرة في كل حقبة زمنية، إنهم عماد الإشراق الحضاري والتنموي والإصلاحي، والذي أثمر عن تميز وتألق على مستوى جميع الأصعدة الحياتية والتربوية.

وما هذا النتاج الفكري الضخم والذي يجعل من هذا التراث الإنساني خير عون للفرد في استشراف مستقبل واعد إلا خير شاهد على تغلب الإنسان على ظرف البيئة غير المناسبة لتألقه، فأزهرت ومضات وعيهم وتطبيقات سلوكهم الحسن عن إثبات عالم التحدي للصعوبات والظروف القاهرة.

خلاصة: البيئة وإن كانت حاوية لمعوقات في طريق تنمية شخصية الفرد، فهذا لا يعني الاستسلام والخضوع لها، وجعلها شماعة نعلق عليها خيباتنا، بل هي محطات اختبار صعبة لا يعجز الإنسان عن تجاوزها متى ما تخلى عن الأهواء والضعف النفسي.