آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

نهاية المطاف

مقدمة

ها وقد وصلنا إلى ختام مضمار تسابق فيه العباد على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم، وما هي إلا ساعات قليلة ويسدل الستار على شهر كامل تباينت فيه أفعال العباد، بحسب ما يملكونه من همم عالية وإرادة على تحقيق أهدافهم، فقد نال وسام الشرف والتألق وهو المغفرة الإلهية لذنوبهم وما بدر منهم من أوجه التقصير، وانصبت عليهم الفيوضات الرحمانية بفكاك رقابهم من النار، لقد عملوا بجد ومثابرة ولازموا محراب الطاعة، وتنقلوا بين رياحين الصلاة وتلاوة القرآن والمناجاة، وظفروا بما هو مخطط إلهي لهم يحصلون عليه بعد هذه الدورة التدريبية للإمساك عن الشهوات ومراقبة الجوارح؛ لينطلقوا بعد الشهر الفضيل على بصيرة فكرية وعزم أكيد على ملازمة الخير والصلاح، وضبط للنفس والوجدان أمام المغريات المتعددة في ميادين الحياة والعلاقات الاجتماعية، فتلك المناعة النفسية أمام المحرمات قد تماسكت وصلب عودها وتجذرت في قلوبهم.

إذا نهاية شهر رمضان لا تعني نفض اليد عن المكتسبات المعنوية التي اكتسبوها، وإلا كانت نفوسهم أوعية مثقوبة لا يجتمع فيها معين الإفاضات الربانية، فلن تبصر في علاقتهم بالله تعالى تخليا عن ذكره ومناجاته والاستئناس بالانقطاع إليه، كما أن الفرائض المستوجبة عليهم وقد حافظوا عليها وأدوها بشرائطها المطلوبة وعلى الوجه الذي يريده الله تعالى منهم، لن يتحولوا عن هذا الانضباط السلوكي إلى حالة الانفلات وتضييع الأوقات والإهمال.

والضبط الأخلاقي والتعامل الحسن مع الآخرين والذي كانوا متألقين فيه، بما استشعروه من جمال كبح جماح النفس الغاضبة المستشيطة، والتي يمكنها حينئذ أن تشط بهم نحو العقر اللساني، وجرح مشاعر من حوله بكلمات قاسية وانفعالات غير مبررة، إنه جمال الروح الذي يجعلهم رياحين وورود يشم الجميع عبق طيبتهم وأريحيتهم.

لقد ظفر صوام الشهر الفضيل بخواتيم أعمالهم، ونالوا مخرجات إيجابية انعسكت على جميع جوانب شخصياتهم؛ ليخرجوا من مدرسة الصوم بعبر استلهموها وطبقوها، وعرفوا أهميتها في الوصول إلى مبتغاهم الأكبر وهو الرضا الإلهي، كما أن نقاط القوة النفسية التي تحلوا بها، لم يعد هناك من تفريط وتقصير يسمحون لأنفسهم بأن يسلكوه، فيخسرهم بناء عاليا وناميا لشخصياتهم.

ومن يعشقون الجمال الإنساني ويتمعنون في دقائقه ويتمتعون برؤيته، فليبصروا جمال روح الصائم وقد تجمل بتشكيلة رائعة من المكتسبات الجمالية، والتي أورثته تألقا وجاذبية دائمة، ففي ميادين العمل الحياتي قد امتشق سلاح الصبر وتحمل المشاق والعمل بنظام «النفس الطويل»، وأخضع جوارحه وخصوصا لسانه لعملية تكميم عن الخنا وقول السوء والكلمات القاسية.

وعنوان سلوكياته هو الاستقامة والثبات على القيم الدينية والتعاليم القرآنية، متجنبا توجيه سهام الغدر والعدوان على الآخرين، وفي علاقاته بالآخرين رفع راية السلام والمحبة، فابتعد عن التعرض لأعراض الناس بغيبة أو تتبع للعثرات، وهذب وجدانه وطهر قلبه من المشاعر السلبية الخانقة، فما أقبح الكراهية والحسد وسوء الظن بالغير عنده، فمدرسة الصوم الأخلاقية جعلت أحاسيسه وأفكاره وتعامله يتصف بالتعالي عن الخطايا ومنكر الأفعال وبعيدا عن المبغوضات.

ما ابتغاه الصائم من بلوغ درجة الفلاح ونجح المقاصد قد ناله بدرجة معينة، لا يقف طموحه في الوصول بها إلى درجات عليا، فالسمو والرفعة عنوان الشخصية المتميزة في علاقته بربه وبالناس، فدرع التقوى والخوف من الله يقيه فيروس الوسوسة الشيطانية والأهواء النفسية.