آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

مشاعر الكراهية

سؤال كثير ما يراودنا، وهو: من أين تنشأ مشاعر كراهية الآخرين والنفرة منهم، وتحول أحاسيسنا تجاههم إلى تأجج مشحون بكل ألوان الحقد والتهافت الأخلاقي؟

فطرة الإنسان قائمة على شعور طبيعي يتناسب وسلامة قلبه قد رسم أطر علاقاته، بل وجميع جوانب حياته على الحب الجميل، فما يبعث على ارتياحه وإحساسه بالمقبولية الاجتماعية هو ما يأنسه من ألفة وتبادل المشاعر الصادقة مع الآخرين، وما أصعب تلك الحالة من الانقباض النفسي عندما تنشأ علاقة متشنجة مع أحد، فيا له من تأثير سيء مملوء بالقلق والتوتر عندما تمر علاقته بالغير في محطة التنافر والبغض مهما كان السبب، ومن هو المتسبب في هذا التوتر الحاصل.

النرجسية: العامل الأول هو الذات النرجسية المتعالية، وذلك أن العلاقة الطيبة مع الغير تقوم على أساس الاحترام المتبادل وحب الخير له، ولكن الشخص الأناني يسلط عينه دائما على مصلحته، وهو مستعد للتصالح ومصاحبة من لا تتعارض منفعته معه، وفي حالة تقاطع الرغبات فإنه يتحول إلى حيوان مفترس يكشر عن أنيابه ولا يرحم أي فريسة يقابلها، ومن الوضع الطبيعي أن يكون هذا النرجسي في حالة كره لكثير من الناس، لا على أساس عدوانيتهم أو عدم اتصافهم بالخير والطيبة، بل لوقوعهم في طريق منفعته الذاتية.

تأليه الذات: ومن عوامل نشر الكراهية بين الأفراد هو الإعجاب المفرط بالذات «الغرور»، والقائم على تمجيد وتأليه الذات لكونها تمتلك بعض أسباب النجاح والرفعة، فيرى تفرده في مهارة معينة سببا مقنعا لرؤية الآخرين بانتقاص ودونية، ويتعامل معهم وكأنهم أقزام غير مؤهلين للاصطفاف أمامه.

المقارنات السلبية: والعامل الآخر في بث المشاعر المتشنجة بيننا هو المقارنة الشيطانية بالآخرين ممن ينعمون بحال أفضل منا أو يتفوقون علينا في قدرات معينة، فبدلا من خوض غمار التنافس الشريف المحفز في ميادين المثابرة وتنمية المهارات، وإذا به يحولها عن المنافسة النزيهة إلى عداوة مستحكمة يشهر فيها كل أسلحة الانتقاص من الآخر، وتوجيه الأذية له ما أمكنه ذلك.

عيوب الغير: ومن عوامل نشر الكراهية بين الناس هو البحث والتدقيق أخطاء الآخرين وتتبع عثراتهم، فعندما تحدثه عن خطأ قام به يتلمس لنفسه كل ألوان المعاذير المجنبة له اللوم والعتاب ومواجهة الظروف الصعبة، ولكنك تراه بوجه آخر عندما يعثر على خطأ أو تقصير من غيره، طالما بحث عنه كإبرة في كومة أعشاب، حينها يتقن كل فنون النقد اللاذع وتكسير أجنحة الغير، ولا يسعفهم أي عذر يقدمونه!

فهم طبيعة الأحداث التي نمر بها وشخصيات الآخرين يجعلنا نقع على حقيقة مهمة تغيب عن أذهان الكثير، فالتقصير والعيب والخطأ وجود طبيعي في الإنسان، والتعامل المثالي القائم على القيم مطلب مهم في تكاملنا الأخلاقي والتربوي، ولكن هذا لا يعني خلونا من العثرات والسقطات ولحظات الغفلة، فالمدينة الفاضلة في واقعنا وهم سقط فيه الكثير ممن ينادون بتطبيقه، فالحقيقة أنه ليس بأكثر من سعي وعمل جاد لتنظيف قلوبنا من شوائب الكراهية والأحقاد، وتهذيب نفوسنا من الانغماس في مستقبحات الأفعال ورذائلها، والعمل على تصحيح الأخطاء ومعالجة أوجه التقصير.

وهذا الفهم لطبيعة النفس البشرية يجنبنا مشاعر الكره لأحد لا لسبب إلا لأنه يعاني من ضعف في مهارة ما أو تقصير في عمل أو دراسة، بل يتجلى حب الخير والنجاح فينا، فنعمل على مساندته ليتخلى من عيوبه، فقمة النجاح والتألق لا تكون بأن نشعر بالسرور على تفوق حصلنا عليه، بل لتفوق شخص آخر أسهمنا فيه.