آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الجزماتي

مهنة تتعلق بمن يسترزق من خلال العمل على تنظيف الأحذية «الجزمة» مما علق بها من غبار وأوساخ، ومن ثم البدء بتلميعها وإظهارها بصورة بهية.

ولا حديث حول شرف أي مهنة يكسب منها المرء لقمة عيشه الحلال، بل هي عنوان السعي والكد، وألا يكون عالة على الغير أو امتهان التسول وادعاء المرض لاستدرار جيوب الناس.

ولكن حديثنا ينصب حول من امتهن تلميع المواقف المخزية والشخصيات الساقطة، فيعمل كخبير مكياج على إصباغ صفات التجمييل وقلب الحقائق، ووسيلته الماكرة في ذلك هو لسانه الذي يجيد فنون التشويش الفكري وتشويه الحقائق وإبداء التبريرات والاستدلالات الواهنة، وله فكر ماكر شيطاني تتفتق عنه ألوان التبريرات والتزويقات التي تغير الحقائق والأحداث بما يخدم من يدرون عليه ما يشترون به قلمه وذمته؛ ليبدو الذئب المفترس بريئا والحمل الوديع حيوانا يستحق ما يحل به، فيلبس الضحية ثوب الجلاد، والقاتل المجرم والفاسد تتحول حقيقته إلى ذلك الألمعي صاحب الفكر البعيد والاستشرافي للمستقبل، وغيرها من الأوصاف التلميعية.

وبهذا لا تكون للحقائق ماهية وتوصيفا معينا يقوم على أسس علمية، بل هي تخضع للأهواء وبحسب ما يدفع الفاسدون والهابطون أخلاقيا من أموال ومناصب تقدم من تحت الطاولة، فما وراء الصورة التي يقدمها حقائق تم تغيير معالمها وحدودها.

ولا شك أن أهم ما يسعف الجزماتي على انطلاء صبغه وتلميعه هو العقول الفارغة والسطحية، والتي لا تتعامل مع المواقف بتأن وروية وتدقيق، فينطلي عليها خداع أصحاب الكلام المنمق الذين يتقنون تزوير المشاهد والأحداث، ويجيرونها لصالح من يدفع لهم، ففي الزمن الصعب تجد من العجائب التي تشيب الرضع، فما تتوقع أنه من الواضحات التي لا يداخلها اللبس أو عدم الفهم، يتم إقحام الكذب وقلب الحقائق وضخ زخم كبير من الشبهات التي تسرق العقول، وتغيبها عن حالة الوعي والنباهة.

أيها الجزماتيون خاب مسعاكم وأملكم، فأنتم خفاقيش تعملون في الكهوف المظلمة، والفكر النير والحقائق الجلية ستبقى شمسا ساطعة لا تحجبها تلميعاتكم الواهية والزائفة، إنها ضباب سرعان ما ينقشع.

وهناك حقيقة لا تغيب أبدا: الجزمة مهما جرى لها من عمليات تجميل وتلميع وحفلات الثناء، ستبقى في النهاية جزمة لا ترتقي على رؤوس الناس، والنفخ الزائد فيها لن يغير واقعها وإن خفي على البسطاء لفترة معينة.

الإعلام الرخيص يقوم اليوم بهذه المهمة القذرة وهي صناعة الأبطال، فيضع كاريزما «شخصية» تفوق الوصف والخيال في قدراتها ومهاراتها، وإمكانية صنع الخوارق فتظن أن أحدهم الرجل الأخضر أو رجل العنكبوت «سبايدرمان» القادر على تسلق ناطحات السحاب بقدرة فائقة!!!

والأحداث المؤلمة والتصرفات النزقة يجري لها من عمليات التلميع ما يصيب العاقل بالغثيان من هذه القدرة الفائقة على الاستدارة نحو التغيير والتحوير، فهذه مهمة سهلة لأولئك الذين ارتضوا لأنفسهم العيش الرخيص، أيها السادة الكرام إنهم الجزماتيون.