آخر تحديث: 14 / 4 / 2021م - 11:48 م

علم الجمال

عبد الباري الدخيل *

يعقد الباحث والمفكر الإسلامي الأستاذ زكي الميلاد في كتابه «الإسلام والنزعة الإنسانية» «1» فصلا عن علم الجمال تحت عنوان: الفكر الإسلامي المعاصر وعلم الجمال، داعيا لاستعادة الاهتمام بهذا العلم وفلسفته ونظرياته وخبراته.

الاسلام والنزعة الانسانية / زكي الميلادوأشار إلى أهمية إعطاء هذا العلم قدرا من القرب والاهتمام، ليكون ”علما فاعلا ومؤثرا في ساحة المسلمين على صعيدي النظر والعمل“.

وأبان أن الحاجة إلى استعادة الاهتمام بهذا العلم تتأكد اليوم ”نظرا إلى تفشي نزعات الكراهية والتعصب والرغبة في القتل في مجتمعات المسلمين“.

ويتابع: نزعات الكراهية والتعصب والرغبة في القتل، إنما هي نزعات لا تصدر إلا عن إنسان يفتقد التربية الجمالية، ويبتعد عن القيم الجمالية، ولا تربطه صلة حقيقية بالجمال والثقافة الجمالية، ولا يعني له الجمال شيئاً، ولا يمثل له قيمة".

وتتأكد الحاجة إلى استعادة الاهتمام بهذا العلم - حسب الميلاد - نظرا إلى الواقع الكئيب الذي تمر به الأمة، فالمسلم اليوم ”يعيش في بيئات ومجتمعات تبعث في نفسه الكآبة التي تحيط به من كل جانب“.

وينفي الكاتب أن يكون هناك خصومة بين الإسلام والجمال، مؤكداً أنها معركة مفتعلة، فالإسلام ”بكل جمالياته لا يمكن ولا يعقل أن يكون في خصومة مع الجمال، لأن كل ما في الإسلام جميل يدعوا إلى الجمال“.

ثم يتحدث عن فكرة التوجيه الجمالي عند مالك بن نبي التي ذكرها في أكثر من موقع ككتاب «شرط النهضة»، مستنكرا عدم إشارة الكاتبين عن ابن نبي لهذه الرؤية رغم صدور الكثير من الكتب تتحدث عنه وعن فكره.

يقول الباحث الميلاد أن ابن نبي يرى أن الأفكار لا بد أن تنبع من الجمال، وأن المجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه.

ويستعرض المؤلف نظرية ابن خلدون «العمران الانساني»، في مقدمته التي عدت إطارا مرجعيا لعلم العمران الإنساني، وعند النظر في قضايا العمران الإنساني لا بد من التوقف أمام فكرة الجمال.

أما عن العلاقة بين العمران الإنساني والجمال فيقول: في العمران الإنساني لا ينبغي إهمال جانب الشكل والمظهر الخارجي، واعتبار أن هذا الجانب لا قيمة له ولا تقدير أمام قيمة الجوهر والمضمون، بل لا بد من العناية بجمالية العمران الإنساني في كليهما.

ويضيف: الجمال الذي نريده في العمران الإنساني من هذه الجهة، هو جمال يبعث على البهجة والسرور، ويرسخ إرادة الوجود والبقاء، ويعطي التفاؤل والعمل، ويشجع على التقارب والتوافق الاجتماعي بين الناس على تنوع مكوناتهم المجتمعية وتعددها.

ويذكر أن من أبعاد الجمال إعطاء العمراني الإنساني صفة الإتقان والإبداع، فالعمل لا يكون مكتملا من دون إتقان، وكل جمال فيه إبداع. فالجمال إبداع وإتقان من جهة، ويوحي بالإبداع والإتقان من جهة أخرى.

وفي الختام

هناك ملاحظة حول حديث الكاتب عن عدم وجود خصومة بين الإسلام والجمال حيث كان بإمكانه الحديث عن قيمة النظافة كمفردة من مفردات الجمال التي دعا لها الإسلام.

يقول المرجع الديني السيد محمد الشيرازي في كتابه «فقه النظافة - 1421 ه»: كما أمر الإسلام بالطهارة والنظافة المادية والمعنوية وجوبًا أو ندبًا، كذلك أمر بالجمال في كل الأمور، من الجمال المعنوي، والجمال المادي في الملابس والبدن والأثاث والمتاع، وفي كل شيء.

ويضيف: النظافة توجب انشراح النفس، والنفس المنشرحة مبعث كل خير، بخلاف النفس المنقبضة التي هي سبب كل تأخر وانهزام.

كما عقد سماحة الشيخ حسن الصفار فصلا في كتاب «الجمعة شخصية المجتمع الاسلامي - 2009م» بعنوان: النظافة والجمال قيمة دينية، جاء فيه: إن الله جميل يحب الجمال، شعار أطلقه رسول الله وأكد عليه أئمة الإسلام ليكون عنواناً لحياة المسلم في ظل بيئة نظيفة، بمظهر أنيق، وذوق جمالي رفيع. ويمثّل هذه الشعار قاعدة تشريعية ينبثق منها الترحيب بكل مظاهر الجمال والأناقة ضمن الضوابط الشرعية، كما تدل على رفض أي مظهر للقذارة والبؤس. ويشير الشعار ذاته إلى فلسفة الاهتمام بالنظافة والجمال، من خلال وصف الله تعالى بالجمال وأنه يحب الجمال.

 

«1» الإسلام والنزعة الإنسانية.. كيف نعطي النزعة الإنسانية قوة المعنى؟، الطبعة الأولى 2013م، الانتشار العربي - بيروت، لبنان.