آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نحو فهم صعوبات الحياة ومواجهتها

قال تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا «التوبة الآية 51».

فهم واقع الحياة المتأرجح بين حالات متباينة من الفرح والحزن، والسراء والضراء، والباب الموصل إلى راحة البال وطمأنينة النفس، وذلك أن حياة الأوهام والخيال بالحياة السعيدة المثالية الخالية من كل المنغصات، والبعيدة - كل البعد - عن منعطفات الإخفاق والألم النفسي، فكل ذلك هراء ووهم كبير يأخذ بالمرء إلى حالة التيه والضياع.

وهذا الفهم لحقيقة البلاء بألوانه في حياة الإنسان يقودنا إلى معالجة الكثير من مشاعرنا الوجدانية السلبية التي تقض مضاجعنا، وتسلبنا الهدوء والاتزان الفكري، وتشغل بالنا بماض قد طويت صفحته، ولا يمكن بأي حال إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو تغيير أي شيء من ملامحه وأحداثه، فلماذا كل هذا الحزن والأسى على ما لا نملك له تبديلا وتحويلا؟

ما علينا هو التسليم بأنه حدث قد انتهى، والمهم أن لا يمر علينا عابرا دون استلهام العبر منه، فلنحول أخطاءنا إلى دروس مجانية تهبنا الحياة منها خلاصات تنير دربنا.

وأما المستقبل المجهول والذي لا تتضح لنا مساراته، فلا ينبغي أن يقتلنا كمدا القلق من مجرياته، وما سيحدث لنا فيه من نكبات ومصاعب قد لا نقوى على تحملها ومواجهتها، فهذا ضرب من الجنون أن نخاف مما لا نعرف عنه شيئا، وبعد الاعتماد على الله تعالى وتفويض الأمور إليه، فليحفز مهاراته وقدراته للتعامل مع صعوبات الحياة والأزمات التي يمر بها، ولا أنجح في نجاته من القلق والاضطراب النفسي من تحليه بالصبر والنفس الطويل في التعامل مع التعثر والإخفاق، فهذا يسهل له المخارج وتجاوز عنق الزجاجة من أي أزمة.

ووجود مشكل معينة يعني بالطبع حالة من القلق المحفز نحو التعامل معها بتقديم الحلول، ولكن أن يصل الخوف إلى مستويات عالية تعيق أي تحرك وخطوة نحو الأمام، فهذه الخسارة الكبرى بعينها، فالبعض يضخم الأزمة أو الإخفاق الذي يمر به وكأنه مسألة حياة أو موت، ويتعامل مع واقعه بكل سلبية وتشاؤم وإحساس بالعجز عن تصحيح أوجه القصور، ويبدي استسلاما عجيبا للهم الثقيل على قلبه، فتتملكه حالة اليأس ونفض اليد عن أي

تحسن يطرأ على حياته.

هل فكر يوما بطريقة صحيحة ومتزنة متخليا عن عقدة الخوف التي تعصف بكيانه؛ ليحصل على صورة متكاملة للمشكلة التي يواجهها وكيفية الخروج منها؟

هذا التفكير المتزن هو حصيلة وأثر التعامل الواقعي مع الصعوبة أو الأزمة التي يعاني منها، فيترك عنه التفكير المصحوب بالقلق والاضطراب النفسي، فيتخلى عن هواجسه ويبحث عن الحلول الممكنة، وما لا يمكن تخطيه ومعالجته فلابد من الصبر عليه والتعالي على الجراح، فهذا ما يجعله يمارس حياته بشكل طبيعي ودون أي معاناة نفسية، سواء كان يعيش بحالة فقر أو مرض أو مشاكل أسرية أو غيرها.

ولينظر المرء إلى الجوانب الإيجابية في حياته، فإن فقد رزقه ليوم فليتذكر أن الله تعالى أسبغ عليه نعمه وتكفل برزقه، وإن مرض يوما فلا ينس الأيام التي نعم فيها بالصحة والعافية، وإن فقد عزيزا فليعلم أنها أمانة الله تعالى واستردت، فالرحيل مآل كل إنسان مهما طال عمره، فله أجل مسمى يستوفاه.

الصبر الجميل هو سلاح القوة عند المؤمن، وذلك أن الضجر واليأس لن يغير من الواقع الصعب شيئا، وبالصبر يستطيع أن يتجاوز المحن، فيتجنب القلق القاتل والمكبل لقواه وتفكيره، فالإيمان بالله تعالى يورثه الثقة والطمأنينة بتقدير الله تعالى وتدبير شئونه، وما حل به من بلاء فهو امتحان يتميز فيه أصحاب اليقين والهمم العالية.

الصحة النفسية للمرء تتعرض لضغوط وتوترات بسبب الظروف الصعبة والقاسية ومنعطفات الإخفاق، ولا يمكنه تجاوزها إلا من خلال الصبر الذي يحافظ على اتزانه الوجداني والعقلي، فينطلق في مواجهة الموقف الصعب من خلال تكوين صورة متكاملة عن المشكلة وعواملها وأبعادها، ومن ثم يدرس الخيارات المتاحة أمامه، ليبدأ رحلة الحلول الممكنة، فيتحامل على نفسه الآلام والمتاعب المصاحبة لرحلة الخروج من المأزق، فهو قطعا ليس مفروشا بالرياحين أو الحرير.

ولنعقد مقارنة بين حالة الواثق بقضاء الله تعالى ومن يعتمد على العوامل المادية للقوة، فمتى ما أصاب البلاء الشخص المادي سقط أسيرا للهواجس والمخاوف من المستقبل، ولم يقو على مواجهة الأزمات فهو مكبل بأسر الإحباط والاستسلام للمصائب والمصاعب.

بينما الإنسان المؤمن لا يخرج في فكره عن حقيقة ورود البلاء ومواجهته بالتحمل والعمل على الوصول إلى النهايات بأقل الخسائر، فهو مطمئن لتقدير الله لأموره.

البعض يبقى نادبا لحظه وغير راض عن رزقه وأحواله، كثير التذمر والشكوى للناس مما يعانيه، ولا يفكر لحظة في استخلاص العبر والدروس من التجارب المريرة؛ لتكون قبس هداية وإرشاد له في درب الحياة، وقد تسلح بقوة التحمل والنفس الطويل في التعامل مع المصائب.