آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مضيف الإمام الصادق

كانت للإمام الصادق ضيعة قرب المدينة تسمى «رعين زياد»، فيها نخل كثير، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها الثلم؛ ليدخل الناس ويأكلوا من التمر.

وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجيء كالشيخ والعجوز والمريض لكل واحد منهم بمدّ من التمر، وما بقي منهم يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقين، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار، فكان ينفق ثلاثة آلاف منها، ويبقى له ألف» «حياة الإمام الصادق ج 1 ص 64».

وقفة تأمل: قبل أن نشير إلى الجوانب الرائعة في هذا المثال في البذل من الصادق الصدوق من بستان له، فلنستذكر النموذج القرآني لأهل البستان والمشار إليه في سورة النبأ المباركة، فقد أحرق الله تعالى ذلك البستان بعد أن كان موئل مساعدة للفقراء من صاحبه الكريم، فلما آل أمر البستان للأبناء شحوا عن مساعدة المساكين، وأما شجرة محمد وآل محمد فهي المثمرة في كل زمان، فتتكرر قصص عطائهم مع اختلاف في بعض تفاصيل القصص، وكان الإمام الصادق أحد الأعمدة في دوحة الكرم التي ضربت أروع الأمثلة التي ينبغي التأسي بها.

هذا النموذج الأمثل الذي يحتذى به في العطاء والسخاء، درس في الانعتاق من لوثة الأنانية وتبلد الإحساس بحاجات الناس، ومصدر اقتداء في العطاء والجود مع الحفاظ على ماء وجه الفقير.

إذ لم يكن الإمام الصادق ينتظر مجيء الفقراء يلوذون بباب سخائه وكرمه، بل يأخذ زمام المبادرة ويفتح باب البذل على مصراعيه، وهذا قمة العطاء والمسمى بالجود.

هذه وصفة علاج تبلسم مرض البخل وضم الأيادي مما ابتلي به بعض أهل الغنى والسعة، فيتحول في علاقته بالمال إلى حارس وجامع له، مع علمه بأنه لن يرحل من الدنيا بشيء منه سوى ما يستر بدنه في قبره «الكفن»، ولكن الشيطان الرجيم يوسوس للإنسان ويخوفه من الفقر، فتتحول غريزة حب المال عنده إلى مرض يستشري في جميع أبعاد حياته، فيرى ذلك الثري في بذل المال على المحتاجين تبذيرا للمال وتضييعا وتلفا له.

وأما المنفقون في سبيل الله تعالى ممن اهتدوا بسيرة صادق الآل فيرون فيه العزة والكرامة الإنسانية، فلا يصبحون أسارى قد غلت أيديهم بالشح والطمع في كنز الأموال، كما أنه وسيلتهم لبناء متماسك مثمر في يوم القيامة، فيستحثون الخطى نحو المستقبل الأخروي بتحويل المال في الدنيا إلى لبنات قصور الجنة التي أعدها الله تعالى لمن بذل في سبيله على المحتاجين.

2 - ثلم الحيطان: مع حلول موسم الحصاد ونضج الثمار، يعلن عن فتح أبواب العطاء الصادقي من هذا البستان، فيأمر وكلاءه بثلم - أي فتح - منافذ من حائط البستان ليدخل الناس فيأكلوا من ثمر النخيل، فتحل عليهم البركة الصادقية في أجسامهم، وفي ذلك مراعاة للجانب النفسي للمحتاج، فلا يؤذى شعوره بالقدوم للإمام وعرض حاجته، بل هناك مصدر غذائي يشبع الجائع ويرفع عنه ألم الفاقة.

3 - بعث الطعام للجيران: ومن لم تكن عنده قدرة على المجيء إلى البستان كالمرضى وكبار السن من جيران ذلك البستان، فيأمر الإمام الصادق بإرسال شيء من الثمار إلى بيوتهم، دون تحميلهم عناء ومشقة الذهاب إليه، وفي ذلك دعوة للاهتمام الخاص بحاجات الجار، وكان مقدار حصة الفرد مدا من الطعام «750 جم»، وبالطبع فإن هذا المقدار لا يفي تماما بحاجة الفرد الواحد، وإنما هي سخاء وعطاء وتذكار لحاجة ذلك الفقير الذي لا تنسى حاجته بمحضر الإمام الصادق .

4 - فقراء البلد: وهم الفئة الآخيرة ممن يستفيدون من ثمار ذلك البستان، إذ كان يأمر الإمام عماله بتوزيعه في السوق على المحتاجين ممن لا قدرة لهم على شراء الطعام، فما أعظم بركة ذلك البستان على المحتاجين.

هذا النموذج الرائع في التكافل الاجتماعي وإدارة العطاء للفقراء ينبغي أن يكون أهم مفردات دستور العمل الاجتماعي في مساعدة المحتاجين، فيقدم لهم من المساعدة ما يحافظ على كرامتهم، ويفي بشيء من حاجتهم المالية.