آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام الصادق العلم الزاخر

مقدمة

ونحن نتطلع إلى إطلالة سريعة على معالم شخصية عظيمة كالإمام الصادق لابد لنا من فهم تعدد جوانب عظمة هذه الشمس المشرقة في دنيا العطاء والرقي في درجات الكمال والفضائل، فعندما نتحدث عن الجانب العلمي له ونسرد منه بعض الشواهد والقصص، فبالتأكيد نحن نغرف رذاذا وقطرات بسيطة من بحر زاخر بعلوم ارتشفت قلوبهم الزاكية بها من وحي السماء، فغايتنا من ذكر مآثره العلمية وغيرها استذكار تاريخ مشرف، يشكل مصدر معارف فكرية وآداب تربوية وأخلاقية تنعم الأجيال المتلاحقة بمعينها ونتائجها التنموية والتكاملية.

العبادة الواعية: نحن أمام مدرسة متكاملة الجوانب في العلاقة بالله تعالى، فالاتصال به عز وجل هو حقيقة الكمال والشرف الإنساني، فما يردي الإنسان في أسفل درجات الضمور الروحي هو التعلق بملذات الدنيا وانشغال القلب بها، فتغيب الفطنة وتسقط المنظومة الأخلاقية وتحل مكانها الغفلة، ويتعامى المرء عن الهدف الأسمى لوجوده، وينتقل إلى العالم الأخروي خالي اليدين من العمل الصالح.

فلنفتح عقولنا وقلوبنا على ما يجلي لنا مفهوم العبادة الواعية، وهي الإطار الصحيح في علاقة العبد بربه، وفي مدرسة الإمام الصادق خير توضيح وبيان لها، فقد نقل في سيرته العبادية أنه ما رؤي إلا قائما أو تاليا لكتاب الله أو ذاكرا، نعم إنه الانقطاع إلى الله تعالى بألوان العبادة القائمة على استشعار الأنس والطمأنينة، فالصلاة زاد الروح وملاذها من خطب الأيام ومصائب الدنيا، ومبعث الهمة نحو الورع عن محارم الله، وكف النفس الجامحة عن الاستجابة لنداءات الشيطان المتكررة والمستمرة باقتراف المعاصي والتجرؤ على اقتحام المحرمات.

ويحيي عقله وقلبه بالمواعظ القرآنية الموجهة له نحو السلوكيات الإيجابية والتعامل الأخلاقي مع الآخرين، وداعية إلى تطهير معنوي للقلب من آفات الكراهية والحقد، وملهمة له بالدروس المستخلصة من قصص الأمم السابقة وما لقته من هوان الدنيا وعقوبات أليمة في يوم القيامة، جراء ما صنعته من فساد وانحلال أخلاقي.

وذكر الله تعالى ترطيب للسان بالثناء على الله تعالى وتنزيهه من كل نقص وعيب، فيستقبح حينها أن يجري عليه الخنا والسوء من القول، ويعمر قلبه وجود الله تعالى واستشعار رقابته في كل خطوة يقدم عليها، وهذه المنعة النفسية والقوة في الإرادة تعصمه - بحسب درجات الإيمان - عن مقاربة الخطايا، وترجعه إلى الله تعالى تائبا خائفا من العقوبة إن استزله الشيطان يوما.

هذه العبادة الحقيقية المستقاة من نهج الإمام الصادق ، والتي يستخلص منها المرء معانيها والغايات منها، وتبقى صورتها حاضرة في قلبه وجوارحه، لا تبرح عن إمداده بالتقوى والإخلاص والخشية من الله تعالى.

المعارف الحقة: وكنز معارفه التي ملأت ما بين الخافقين، فتناقلها تلاميذه الكثر على منابر المعرفة والوعي في حواضر الدولة الإسلامية، قد أجلت دياجير الجهل والغفلة لما أشرقت شمس معارفه وحكمه، فاستضاءت العقول بمعين لا ينضب من المعارف المتنوعة في جميع حقول العلم والتخصصات الدينية والعلمية.

ومناظرات الإمام الصادق رفدتنا بمعارف متنوعة تستند للفهم الدقيق لكتاب الله وسنة جده وآبائه الطاهرين، وتعتمد الحجج العقلية المتينة والبراهين الواضحة التي لا لبس فيها، وقد شهد له بفصل الخطاب وانقطاعه عنده علماء زمانه من أصحاب المذاهب الفقهية والكلامية المتنوعة، فأفحمت الخصوم وسدت عليهم طريق الشبهات والفتن، واستبصر الحق والهدى على يديه الكثير ممن استناروا بتوجيهاته وإرشاداته وردوده على إشكالاتهم وتنبيهاته على مواطن الخطأ والقصور الفكري عندهم، فكانت نجاتهم بالتعلق بسفينة بحر علوم آل محمد وصاحب الدور الكبير في نشر معارفهم.

وكانت نهضته العلمية أهم الأوجه الحضارية التي صنعت تاريخا مشرفا للأمة الإسلامية، فأعطت بعدا ازدهاريا وتطويريا في حقول الحوار العلمي الرصين وأسلوب الإقناع وطرح الأفكار، ولا نبالغ إن قلنا أن مدرسة الإمام الصادق أرست قواعد حوار الحضارات ونشر المعارف.

وقد أسهم الإمام الصادق في إنشاء جامعة علمية ذات تخصصات فقهية وتفسيرية وعقائدية وكلامية وعلمية، فوجه أصحابه كل واحد بحسب ما يتقنه ويتميز به نحو تخصص معين، فساهم ذلك في ازدهار العلوم المتنوعة وبثها بين الناس.