آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

شطب الآخر

مقدمة:

اتخاذ المواقف الخاطئة تجاه الآخرين دون ترو وتدقيق ينحو بنا بالتأكيد نحو علاقات متأزمة ومتوترة، فتحمل المسئولية الاجتماعية يعني العمل على صون علاقاتنا من أي تصرف يمكن له أن يحول المحبة والاحترام إلى تجاهل وحقد وخصومة، وهذا ما يدخلنا في دوامة من الخلافات التي لا داعي لها أصلا، كما أن صحتنا النفسية بلا شك ستصاب بالإجهاد والتعب والألم، واستنفاذ الطاقات التي نحن بأمس الحاجة لها في ميدان العمل المتقن الإنجاز، وهذا ما يستوجب علينا التنبه لكل كلمة وسلوك يصدر منا يمكن أن تكون له نتائج وخيمة، لا قدرة لنا على تحملها وتصحيح أوجه الخطأ فيها.

الآخرون ليسوا معمل تجارب لنمارس فيه كل سلوك ولو كان مشينا مستقبحا، والمودة حبل له القدرة على تحمل هفوة نتسامح منها فيقبل اعتذارنا، وأما مسلسل الأخطاء المتكررة فيعني طي أسمائنا من سجل الأصدقاء!

تهور وقطيعة: ومن معالم المراهقة السلوكية التي تنتشر بيننا اليوم هو شطب الآخر بجرة قلم ذهنية لسبب بسيط جدا لا يستحق كل ردة الفعل المتشنجة منا.

فوبيا الحوار والتلاقي:

وها هي وسائل التواصل الاجتماعي بتنوعها تعج بمثل هذه التصرفات الصبيانية المراهقة، والأمر لا يقتصر على العالم الافتراضي بل في واقعنا ما أبرز ما نسميه «فوبيا الحوار والتلاقي»، فالنقاشات حول المواضيع المختلفة لا تتعدى في ماهيتها عن عرض وجهات النظر المختلفة وتبنيها من قبل الأطراف المتحاورة، والقناعة بهذه الفكرة أو تلك لا يعني أكثر من التمسك بها فكريا أو عاطفيا، ولا يمكن إقناع الغير بجدوى وأهمية مقولتك ورأيك لمجرد استنادها لدليل أو عرض لنتائجها الجيدة، فهناك عوامل متعددة تتدخل في قبولها أو رفضها، والمهم هو أن الحرية في بعدها الفكري تتجلى في قبول الاختلاف والتباين، ولكن ضيق الفكر عند البعض يتجه به نحو شطب الآخر وقطع العلاقة معه، بعد سلسلة لكمات وطعنات جارحة وفجور حواري، تسمع منه تلك الألفاظ المستقبحة والبذيئة والتي تصقعك وتذهلك عندما يتراشق بها المتحاورون!

معالجة:

إننا أمام ميثاق عهد ومسئولية اجتماعية تقف بنا على أعتاب تحريم أسلحة الدمار الشامل في حواراتنا، فمهما كان وجه الخطأ الذي نعتقده في فكرة الطرف الآخر، فهذا لا يبيح لنا التعرض لشخصه بسوء وتحقير، فالغايات الخاطئة التي تحذو البعض لخوض حوارات متشنجة هي تحقيق الانتصار الوهمي وتسجيل مكاسب في مكانته بين الناس، ما هي إلا أوهام وكسر للقيم التي يستظل بها الجميع لتحصيل الراحة النفسية والأمان والمقبولية الاجتماعية، وخرم لنسيج العلاقات الاجتماعية بمثل هذه التصرفات غير المسئولة، والتي ستحل علينا بالاحتراب المدمر والخصومات اللامتناهية.

وإذا ما صدر من الطرف الآخر هفوة أو خطأ في حقه، أو تقصير معه في موقف كان ينتظر منه مساندة، فمعيار علاقاته هو الأوحدية في التقصير، فمجرد خطأ أو تجاوز عليه ينهي علاقة امتدت بينهما، فالمسامحة والتجاوز عن زلة الغير مفقود من سجله، فدائما ما يضخم الأمور ويؤزمها ويعتبر أي غلطة منه مسألة كرامة ووجود، ولا يمكنه أن يستمر مع شخص لا يقدره ولا يحترم شخصه، ولذا يلجأ لشطب وجوده من حياته!

خلاصة: نحتاج إلى ثقافة تفهم ظروف الآخرين وما يقعون فيه من قلق وتشتت فكري وانفعال وجداني بسبب مشكلة مستحكمة، كما أن التسامح مع الآخرين لا يعني ضعفا بل هو قوة نفسية وثقة تدعوه للتعالي عن رد الإساءة، والتباين الفكري لا يمكن تجاوزه بالخصومات بل باحترام التنوع في الآراء واحترام أصحابها.