آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

تغييب العقل

مقدمة:

ليس هناك من طريقة شالة ومبددة لقدرات الآخرين أسهل من نشر فيروس الجهل بينهم، فطريق النجاح وتحقيق الازدهار والتنمية يحتاج إلى إعداد دراسة وخطة متكاملة، وهذا ما يعتمد بشكل كبير على عقول واعية بطبيعة المرحلة والعوامل المؤثرة والنتائج المرجوة، فإذا تم تغليف العقول بحجاب الجهل أمكن إيقاف وإعثار مسيرة المجتمع المتقدم، وهذا أكبر خطر يدمر طاقاته ويجعله يدور في حلقة مفرغة، فلا إنتاج ولا إبداع يحقق الرفعة والتقدم، بل ضياع لأفراد المجتمع وإن كانوا من حملة أكبر الشهادات الأكاديمية، والتي لا تعني حينئذ أكثر من اجتياز مواد دراسية دون أن تحدث نضجا ونباهة في طريقة تفكيره ورسمه للأهداف المستقبلية، ولا يستطيع أن يتعامل مع الأزمات والظواهر السلبية والمعوقات التنموية بطريقة صحيحة، بل ينغمس أكثر في دياجير الجهل والبعد عن المعارف والخبرات المكتسبة.

الخوف من المجهول:

من أخطر أساليب التجهيل وتغييب الفكر الإنساني الواعي هو بث الخوف من المجهول، فيتم تصوير المستقبل وكأنه بعبع قادم بكل ألوان السوء والآثار المدمرة، وزرع للأشواك في طريق العمل، وبث اليأس من غد أفضل، وتحطيم للنفوس المتطلعة للمعالجة والبحث عن الحلول للمشاكل، فهذا التخويف يضخم الأخطاء والصعوبات وكأن تجاوزها لا أمل فيه، وهذا الداء الخطير يجعل لغة الشباب هو ندب الحظوظ والتحسر على الماضي الجميل!

واقع مرير:

وانظر إلى أحاديث الشباب اليائس من واقعه، فستجد منهم الكثير مما يبكي على حالهم واستضعاف أنفسهم، ويا ليتهم يقرأون الماضي المليء بقصص الأمم والأفراد الذين غالبوا الواقع المرير، وقابلوا التحديات بالمواجهة والنفس الطويل، فالحياة ليست بالطريق المفروش بالرياحين والورود، فالنجاح - في حقيقته - ننتزعه انتزاعا، ونصنعه بقدر مثابرتنا والجهد الذي نبذله.

الانفصال عن الواقع:

والتجهيل والتغييب للفكر المتوقد والنبيه هو نقل العقول إلى عالم الغيب السلبي والانفصال عن الواقع، فيلجأ الأفراد إلى معالجة واقعهم الصعب والظروف القاهرة عن طريق الخرافات، وتسيير حياتهم بتفسير المنامات والقبوع في سلة الأحلام الوردية والأماني الزائفة، فتدار حياتهم بأزرار الرغبات الفارغة من العمل على تطبيقها على أرض الواقع، وأحيلت أسباب المشكلات الأسرية كالخلافات الزوجية وتوتر علاقة الآباء بأبنائهم المراهقين إلى السحر وحسد الحاقدين فقط، وأما تقصيرهم في معالجة المشكلة وبحثها ووضع حلول تشكل مفاصل المرحلة القادمة فلم يلتفت إليها أبدا، وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية فالخصومات والقطيعة ما هي إلا نتائج العيون الحارة وأحابيل الشيطان الرجيم، وأما إساءاتهم المتكررة وعدم امتلاكهم لأسس المحافظة على العلاقات الناجحة، ومعالجة بؤر التوتر في إطار الحوار الهادئ فليس لها نصيب من البحث والمعالجة.

وعلى المستوى الدراسي والوظيفي فالتعثر والإخفاق في نيل الرغبات فمرجعه الحظوظ الخائبة والظروف العاثرة، ولولاها لاستطاع أن ينال مراده، وأما تقصيره في المثابرة وعدم تحليه بالصبر والنفس الطويل، فلم تكن يوما في حسابات مقاربة وجه المشكلة وسبب الفشل!

خلاصة:

الوعي والمعرفة بواقع الحياة المتقلب والصعب هو ما يبدد دياجير التجهيل، فيتحلى المرء بالتفكير الناضج وامتلاك أدوات الإنجاز والعمل الحثيث، وهي الطاقات والقدرات التي يمتلكها والخبرات التي يكتسبها من التجارب.