آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين حماية الأبناء واستقلالهم

مقدمة:

يحمل الآباء والأمهات تصورا معينا لمستقبل أبنائهم الصغار، فيحذوهم الأمل بأن ينالوا أعلى المراتب ودرجات التفوق على المستوى الدراسي والوظيفي، وهذه المشاعر الجميلة أكبر داعم ومساند للطفل ليشق طريقه نحو النجاح والتألق، إذ تسهم هذه الحالة من المؤازرة والتشجيع في رؤية الأبناء بأحسن حال، وفي المقابل فإن طغيانها واستحواذها على شخصية الابن وكأنه أسير مكبل لها تبعاتها الوخيمة على شخصيته، فما هي تبعاتها؟

آثار الحماية المفرطة:

إنها تمنع جذور تحمل المسئولية والاستقلال والثقة بالنفس كمعالم مهمة في شخصيته من البزوغ والنمو، فيغدو الطفل شخصية مسيرة كالرجل الآلي، قد ألغيت آليات التفكير وكيفية التعامل مع المشكلات التي يواجهها منه، فما هو في الحقيقة إلا منفذ لتعاليم والديه دون أن يكون له أي حضور يمثل ذاته في معترك الحياة وميدان العلاقات مع أصدقائه، وهذا ما يفقده المناعة الذاتية من الإصابة بفيروس الضعف والخمول والاتكالية، فيكون حرصهم الزائد على مستقبله نقمة، ويتحول الطفل إلى ضحية تسلط والديه، فالإهمال لتنمية قدرات الطفل جناية في حقه، وكذلك الاهتمام الزائد الذي يفقده الاعتماد على النفس والاستقلالية جناية لا تقل عن الأولى في أضرارها الدائمة على شخصيته.

الحياة تجارب وخبرات:

فالحياة بمواقفها المتنوعة تقدم للطفل خبرات عديدة ومبادئ للتعامل مع الأزمات والعثرات التي يمر بها وتعلم كيفية تجاوزها، والمبالغة في حماية الطفل من قبل الوالدين، والعمل على الحيلولة دون وقوعه في الأخطاء والسقطات التي تؤثر على مسيره، وقد تقف كحاجز يمنعه من بلوغ الأهداف المرسومة لحياته.

التعلم من الأخطاء:

ولكن الحقيقة أن الإخفاق وارتكاب الخطأ عامل مقوي لشخصية الطفل وليس بموهن له، وذلك أن طريق النجاح الذي يصبو إليه يمر بتلك الدروس التي يستوعبها من المواقف التي يعايشها، وسيكمل طريقه متسلحا بالوعي والنباهة من الوقوع في الأخطاء مجددا، وهذا لا يعني أن نهمل تربية أبنائنا ونتركهم فرائس سهلة للفشل والضياع، ولكن بدلا من ممارسة الوصاية عليهم والحماية المفرطة لهم، فلنمارس كآباء دور التوجيه والإرشاد وتقديم النصائح المضيئة لنقاط الظلام في حياتهم، ونعمل على تكوين المناعة الذاتية والبصيرة الواعية عندهم، والتي تمنحهم فرصة الاستفادة من تجاربهم وتجارب الآخرين واستلهام الدروس منها، فهذا ما يقيهم من سقطات الأيام وخبايا المستقبل المجهول.

توتر في العلاقات:

أحد الأسباب المهمة في الخلافات المستقبلية بين الآباء والأبناء في مرحلة المراهقة هو ذلك الخناق المطبق الذي كانوا يمارسونه معهم وهم في مرحلة الطفولة، فينسب الأبناء كثيرا من مواقف الإخفاق التي مروا بها على مستوى إدارة حياتهم الدراسية والاجتماعية إلى افتقادهم لروح المبادرة والاعتماد على النفس في مواجهة الصعوبات، ولم يمنحوهم الفرصة الكافية للتعلم من أخطائهم، وهذا الخلاف يسهم في إيجاد فجوة في التفكير والتعامل السليم بين الآباء والأبناء، ويجعل علاقتهم متوترة بشكل كبير لا يسهم في إيجاد جو الألفة والمحبة في محيط الأسرة، والعمل كفريق واحد يساند كل طرف فيه الآخر.

حل أم تفاقم للمشاكل:

والسؤال المهم والذي نعتبره مدخلا أساسيا لفهم خطورة هذا التصرف غير التربوي مع الأطفال، هو: هل هذه الحماية الزائدة من قبل الوالدين تقي الطفل من الوقوع في الأخطاء وأوجه التقصير تماما، أم أنها تعالج مشكلة بنسبة معينة في نظر الوالدين، ولكنها من جهة أخرى تدمر دعائم القوة في شخصياتهم وهي تحمل المسئولية والتفكير في إيجاد الحلول بعد كل تعثر ومطب يقعون فيه؟

الوقوع في الخطأ وظهور جوانب نقص وتقصير أمر وارد وبقوة عند أبنائنا، والتفكير بدلا عنهم لن يسهم في حل المشكلة بل سيعقدها أكثر، وسيحرمهم من أهم دروس الحياة التي تسهم في تنمية قدراتهم وتكسبهم خبرات مهمة، فالإخفاق وعدم تجاوز العقبات لا يعني فشلا مستحكما، بل هو سقوط ينبغي معالجته والتفكير في كيفية مواجهة الخطأ، والعمل على تصويب المسيرة والبحث عن أسباب الإخفاق على مستوى الأهداف أو العمل التطبيقي، فهذا يسهم في تجاوز العقبات.

ومن المهم جدا أن نساعد أبنائنا على ممارسة النقد الذاتي لتصرفاتهم، والتفكير السليم القائم على البحث عن عوامل الخطأ والتقصير ومعالجتها، ومن ثم مواصلة المسير نحو تحقيق الذات والوصول إلى الإنجاز.

خوف الأبناء من الفشل:

بإفراطنا في حمايتهم نوقعهم في مشكلة كبيرة وهي الخوف الكبير من الوقوع في الخطأ والفشل في تحقيق أهدافهم، مما يجعلهم مورد تندر وسخرية من أقرانهم، فيميلون في هذه الحالة إلى التهرب من المسئوليات، والابتعاد عن كل تجربة أو عمل إبداعي يثبتون فيه قدراتهم العالية، وذلك لما يتملكهم من الهواجس والقلق من الإخفاق!

روح الأمل والصمود في ميدان الدراسة والعمل هو ما ينبغي أن يتلقاه الأبناء كدرس مهم في حياتهم، فالتعثر نصادفه في حياتنا، وما يفرق بيننا هو أن البعض يرى فيه تقييما لقدراته ومهاراته، فليس له حظ أو مكان في خانة الناجحين، وآخر لا يرى فيه أكثر من خطوة ارتكب خطأ في حساباتها وعليه معالجة الأمر، وهذا ما نسميه باستعادة التوازن الفكري والوجداني بعد كل أزمة نمر بها، فيعطينا تقييما حقيقيا لطاقاتها ومهاراتنا، ويوجهنا إلى تعزيزها وتنميتها وسد مواطن الضعف في ذواتنا، وهذا هو السلاح الفتاك بروح الإحباط والمخاوف.