آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفوتوغرافي حبيب المعاتيق: الصورة مساحة من الحرية

جهينة الإخبارية حوار: حسين الجفال / جريدة قبس
الشاعر حبيب المعاتيق
الشاعر حبيب المعاتيق

الشاعر والفوتغورافي السعودي حبيب علي المعاتيق؛ يرى في العمل الفوتوغرافي التصاقا بالحس الشعوري لدى البشر، وأن التصوير يشكل مسرحا لقراءة المشهد اليومي بعين كاشفة ودقيقة، وللصورة أن تفلت من عين الرقيب لتقترب من الحقيقة العارية. كما يرى ان الصورة والقصيدة معا لاتزالان سلاحين يمكن الذود بهما عن هذه القضية العادلة، كقضية فلسطين مثلا. مؤخرا دخل في تجارب فوتوغرافية في تصوير الأطفال والطيور والطبقة العاملة، فشكل بتجربته هذه علامة فارقة للحساسية العالية التي تمتلكها عينه وكاميرته، القبس التقت به وكان هذا الحوار.

حبيب المعاتيق

«صورة واحدة تساوي ألف كلمة» بحسب قول نابليون بونابرت، ترى مالذي يعنيه برأيك؟

لم يكن بونابرت مجازفا البتة في كلمته هذه، المواقف والأحداث والأماكن والمشاعر واللحظات الخاصة تحتاج الى متسع للتعبير عنها عبر اللغة بكل أمانة ودقة، وكذلك تحتاج ما يماثل هذا الجهد لتلقيها واستيعابها، بينما قد يختصر عمل فوتوغرافي ناجح المسافة بلغة الضوء التي هي قريبة جدا من النفس البشرية، وأكثر التصاقا بالحس الشعوري لدى البشر. الصورة لا تتحدث وحسب، الصورة هي الوحيدة التي تصرخ في صمت.

وأعتقد أننا - نحن العرب - أكدنا هذه الحقيقة قبل أن يخلق نابليون وقلنا على لسان شاعرنا «وما راءٍ كمن سمعا».

في اشتغالك الشعري والفوتوغرافي تعاطيت مع العمال، مالذي يجعلك ملتصقا إلى هذا الحد بهذه الطبقة المسحوقة؟

أحد أهم وظائف الأعمال الفنية أنها تحيل المَشَاهد الروتينية المألوفة إلى مشاهد جمالية؛ تستوقفنا وتدعونا لإعادة التأمل، التصوير الفوتوغرافي يُساعد الناس لكي يروا، كما يقول احدهم.

كان هذا هاجسي في تصوير هذه الفئة من العمالة المهمشة، فقد التصقتُ بشكل يومي خلال مرحلة تشييدي لمنزلي الجديد بالعمال المعماريين ومازلت. عايشت خلالها همومهم اليومية وطبيعة عملهم الشاق ومتاعبهم في الظروف المناخية الصعبة.

أحببت توثيق تلك اللحظات ورحبوا بدورهم بدخول الكاميرا الى تفاصيل كدّ. هم، كانوا متفاعلين معها جدا ومتحملين لدخولي في الزوايا الضيقة ومستجيبين لطلباتي الفوتوغرافية المزعجة، أعتقد أننا كوَّنا فريقا فنيا استطعنا بشكل ما تقديم مجموعة من الأعمال الفوتوغرافية ربما استطاعت إبراز هذه الفئة المهمشة من الناس وتسليط الاهتمام نحوها عبر الصورة الفنية.

افردت الكثير من اشتغالك الفوتوغرافي للطفل، فرحه وعذاباته وبساطته في اللهو حتى صبغت رجليك بالطين؛ الطفل/الطين إلى ماذا يأخذانك؟

كلنا نتسمَّر ونتجمد - بمستوى ما - عند تصويب الكاميرا ناحيتنا؛ مما يقلل من عفوية الصورة التي هي - العفوية - أحد أهم أسرار نجاحها؛ غير أن للأطفال كلمة أخرى؛ فعدم وعيهم التام بحقيقة الكاميرا يجعلهم عفويين في حركتهم وتعابيرهم دون أي تصنع؛ لذلك فصور الأطفال في العادة تضج بالحياة والعفوية وهي أقرب للنجاح الفني من غيرها.

حبيب المعاتيق

ماذا يمكن لحبيب أن يقوله في الصورة ولا يقوله في القصيدة. هل من الممكن أن تهب الصورة مساحة للبوح خارج عين الرقيب؟

ربما أمكن الفوتوغرافي التفلت شيئا ما أمام الرقيب بصفته ناقلا للحدث والمشهد وليس صانعا له، كما هو الشاعر، بإمكان الصورة أن تهبَك هذه المساحة من الحرية؛ تختزل في طياتها الكثير من الكلام المسكوت عنه ولكنه ناطق في ذاته.

الصورة تمرين أول للولوج للحقيقة، هكذا قيل، كيف تلمس تقدم التعاطي والحقوق الأدبية للمصور على مستوى الدول العربية وهل هناك مايدعم بشكل تام هذه الحقوق؟

أرى أننا حديثو عهد في ما يخص الحقوق الأدبية للمصور. بدأت في الآونة الأخيرة نتيجة للزخم والحضور الكبير للفن الفوتوغرافي في المنطقة، خصوصا بلدان الخليج، بظهور قضايا لدى المحاكم من هذا النوع، ما أعلمه أن لدينا تشريعات يمكن الاحتكام إليها في هذا الخصوص، الكثير منا لا يزال يجهل أنه بمجرد التقاط أي صورة فوتوغرافية مهما كان مستواها الفني؛ فإنها دخلت ضمن ملكيتك الشخصية وأي تعدٍ على هذه الملكية بإمكانك إقامة دعوى قضائية واسترداد حقك غير منقوص.

حدثنا عن تجربتك وتصوير الطيور الموسمية، هل جذبتك الألوان لتصويرها أم رشاقة طيرانها. ماسر هذا الاهتمام؟

في التصوير الفوتوغرافي - وفي غيره من الفنون - أحد أهم أسباب نجاحك في المجال والمحور الذي تركز عليه وتتخصص فيه بين محاور التصوير الكثيرة هو حبك وتعلقك الشخصي بهذا المحور، ربما ما لا تعلمه أن الكثير من الفوتوغرافيين المتميزين في تصوير الماكرو والحشرات مثلا هم علماء ومهتمون بهذه الكائنات قبل أن يكونوا فوتوغرافيين.

الحالة هي نفسها معي فكم كنتُ - ولاأزال - مولعا بالطيور منذ أيام الطفولة يوم كنا نقضي النهار مستمتعين في نصب الفخاخ والشباك لها على الطريقة الخليجية المعروفة.

هذا الاهتمام الشخصي دفعني للاهتمام بها فنيا فيما بعد من خلال مجال التصوير؛ أزعم أني ابن بيئتها وأعرفها وتعرفني جيدا.

حبيب المعاتيق

فلسطين جرحنا المفتوح الذي يوحدنا. برأيك مالذي يُبقي فلسطين في ذاكرة الأجيال القادمة، الشعر أم الصورة أم كليهما؟

ربما كان على الصورة الفوتوغرافية التكفير عن خطيئتها الأولى في حق فلسطين حين استُخدمت في أيام الاحتلال الأولى في تكريس مقولة زعماء الحركة الصهيونية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، فقد تعمدت اسرائيل عبر «الميديا» العالمية آنذاك في كثير من منشوراتها نقل الصور داخل فلسطين وهي خالية من الناس لتكريس هذه الفكرة في الرأي العالمي.

الصورة والقصيدة معا لا تزالان سلاحين يمكن الذود بهما عن هذه القضية العادلة، سلاحين يمكنهما الوقوف عاريي الصدر أمام ترسانة الأعداء وخذلان الأصدقاء، ليس أنصع من الشعر وليس أبلغ من الصورة نحن في زمن الصورة بشقيها البصري واللغوي.

الهوية الخاصة، هوية المكان والناس في الصورة، هل تشكل هاجسا حيا لديك وأنت ممسك بالكاميرا، عن ماذا تبحث في هذا الاطار؟

الحكاية هي أهم مقومات صورة حياة الشارع الناجحة، لم تعد الصورة الفردية لكاركتر واحد في صور حياة الشارع تقنع أحدا؛ إذا لم تكن تلك الصورة تنطوي على حكاية للمكان والشخوص والتفاصيل الصغيرة في محيط الصورة العام، بذلك وحده ترتفع القيمة الفنية للعمل وكلما كان الفوتوغرافي أكثر حساسية لاستشعار الجو العام للمشهد من مساقط الإضاءة وتكوين الطرقات والعناصر الحية، وحتى الكتابات العبثية على الجدران، بالإضافة لإحساسه الشخصي بالمشهد، فالرؤية لا تكفي حسب اندري كريتزس، «عليك أن تشعرنا بإحساس ما يمكنك التقاطه بالكاميرا» ذلك كله مجتمعا يصنع عملا فوتوغرافيا حيا نعبر عنه بالحكاية.

هل توافقنا أننا نعيش عصر ازدهار الصورة الأبهى. وماذا تعني لك جائزة السفير الأولى فرع الصور الصحافية وجوائز عرب ديجي كام 2008 و2010؟

أكيد، الانفجار الكوني الهائل في الصورة الذي أتاحته ثورة الديجيتال يؤكد هذه القناعة، بعد أن كانت الصورة حكرا على المتخصصين والهواة الجادين أصبحت متاحة لكل فرد في هذا العالم، حتى أبناؤنا الصغار أصبحوا منتجين للصورة من خلال أجهزتهم اللوحية وأجهزة الاتصال، استتبع هذه الثورة في الكم ثورة كذلك لدى المتخصصين والمنتجين المحترفين انفتحت الصورة الفوتوغرافية على تقنيات حديثة اختصرت هذه الثورة سنين ضوئية، يكفي أن تفتح أحد مواقع التصوير المتخصصة لتشاهد ما يغمرك بالدهشة.

أما عن الجوائز فهي محطة تقييم وتحفيز؛ تثبت فيها لنفسك قبل الآخرين أنك حاضر فنيا، فيها من الفائدة المادية والإعلامية والاعتبارية الشيء الكثير.