آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

رسالة الضيافة بين الإخوان

ورد عن ربعي، عن أبي عبدالله قال: من أطعم أخا في الله، كان له من الأجر مثل [أجر] من أطعم فئاما من الناس، قلت: وما الفئام؟

قال: مائة ألف من الناس» «ثواب الأعمال ص 122» مقدمة: لابد لنا من استطلاع تلك الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال التحلق حول مائدة طعام تجمع بين أفراد المجتمع، وخصوصا أنها دعوة ليست موجهة لإطعام الفقير، بل هي عامة وشاملة لكل من يمتلك في بيته طعاما لنفسه ولأهله، فهذا الثواب العظيم تحفيز وتشجيع لعلاقة وطيدة تنسج بين الأفراد، فما هي أهدافها؟

في الرواية الشريفة دعوة لتقوية النسيج الاجتماعي، وذلك من خلال تبادل اللقاءات والجلسات التي تقرب القلوب والعقول، وتشكل لحمة أخوية وروحا تآلفية، تقوم أسس قوتها ومتانتها على التفاهم وزرع الثقة والاحترام المتبادل وحب مساعدة الآخرين.

علاقات مترهلة: وكم تعاني البشرية اليوم من اختفاء مشاعر الود بين الجيران والأقرباء، فقد طغت الناحية المادية على النفوس، وأضحى اللهث خلف المال والجاه والمصالح هو أساس العلاقات الواهية، وافتقد الإنسان مظلة الأمان المجتمعي والتي يشعر معها بوجود أناس من حوله يستند إليهم في وقت الشدائد والأزمات التي يمر بها، فليس هناك من يسمع همومه وآلامه النفسية، ولا من مسعف لنجح آماله فيشجعه ويوجهه، بل اصطنع الناس حواجز فيما بينهم، وخلت علاقاتهم من أجمل شعور وهو المقبولية عند الآخر والثقة المتبادلة، لتتحول الهواجس والقلق من المستقبل المجهول إلى السمة الطاغية على النفوس؛ خوفا من البقاء لوحده في دوامة الحياة وصعوباتها ومفاجآتها المؤلمة.

رسالة أخوية: الطرح الديني المتوافق مع الأسس العقلية والعلمية هو إشباع المشاعر الوجدانية للفرد، وذلك أن الإحساس بحب الآخرين له واستعدادهم للوقوف معه عند أي عقبة تصادفه في مسيره، يشكل مناعة نفسية قوية تجنبه السقوط بين حنايا الإحباط والتوتر والانفعال الشديد، ومصدا للتأثيرات السلبية لأي إخفاق أو مداهمة للأحزان، فالإخوان الصادقون في ودهم هم جناحا الأمل والعزم القوي على الصمود، واللذان يطير بهما في سماء النجاح والإنجاز، فيخفف عنه إخوان الثقة والصدق ثقل أي هم وألم، ويساعدونه على استرجاع توازنه الفكري والوجداني، ولا يدعونه فريسة سهلة للاعتلال النفسي، فكثير من الأمراض النفسية كالاكتئاب والإحباط وحتى التفكير بالانتحار تمثل محطات خطر، للإخوان دور مهم في منع الفرد من الوصول إليها.

الإطعام طريق التصافي: بلا شك أن الإطعام والمائدة التي يتحلق من حولها الإخوان رسالة ذات مضامين عالية متعددة، وسبب طرحها هو إنبات جذور المحبة والتآخي بين أفراد المجتمع، مما يسهم في مشاركة فاعلة للجميع في تأسيس روح الإحساس بالآخر والاهتمام بشئونه ومتابعة أحواله، وإبداء تمام الاستعداد لأي مساندة مالية أو معنوية يحتاجها.

اللقمة المشتركة: هذه الدعوة الإخائية الوفائية تهذيبية للنفوس بالانعتاق من أهم أغلالها وهي الأنانية والنرجسية المتعالية، وبذر روح التعاون والتفاهم والثقة، وتنشئة النفوس على الصراحة والشفافية بعيدا عن أي تلون ونفاق اجتماعي يهدم سور صفاء النفوس، ويدخلها في مأزق المشاحنات والمناكفات والخلافات غير المنتهية إلا بتبديد هدوء النفوس وراحة البال والطمأنينة، وتنشر أجواء ملبدة بعواصف الكراهية.

الجلوس عند مائدة الطعام إبداء للنوايا الحسنة والبعد عن الفكر الشيطاني الشرير، فالأخ المحب لا تبدر منه تصرفات مشينة وعدوانية تجاه من جمعتهما لقمة مشتركة، بل هي عربون تودد ومشاعر صادقة، فهذا التلاقي لا يجمع الأجساد فقط، بل يولف تركيبة جميلة متراصة من قلوب تكن للغير الوفاء والمصداقية الحقة عند الشدائد.

تدوير الزوايا: هناك محطات اختلاف وسوء تفاهم تطفو على سطح العلاقات الاجتماعية، وبغض النظر عن أسبابها التافهة أو الحقيقية فإن المهم هو كيفية تلافيها أو معالجتها إن وقعت، فكثير من الخلافات يمكن تجنبها بروح احترام الآخر وقناعاته، وبروح الاعتذار عند الخطأ والتسامح بين الإخوان يمكن تجاوز مفاعيلها بعيدا عن الخصومات المستحكمة وإشعال فتيل الفتن والأحقاد.

تبادل الأفكار والخبرات: يمكن للعلاقات القوية بين الإخوان أن تؤسس لمائدة التكاتف والتكافل في جانبه المالي وتقديم المساعدة المناسبة لأي فرد يعاني من أزمة مالية، وكذلك تقدم مائدة الحوار الهادئ في الجانب المعنوي مناقشات وطرحا للآراء والأفكار الإيجابية التي تعالج أي مشكلة يمرون بها كحالة فردية أو ظاهرة مجتمعية سلبية تؤرق الجميع، فتزيل المخاوف من تبعاتها روح التكاتف وحب الخير للآخرين والوعي.

هذه مائدة الخير التي تغذي العقول فتنضج الفكر، وتشبع المشاعر العاطفية بالمحبة الصادقة.