آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خزائن الرحمة الإلهية

ورد في دعاء مولاتنا الزهراء : «اللهم افتح لنا خزائن رحمتك» «بحار الأنوار ج 90 ص 338».

ينفتح قلب المؤمن وعقله على حقيقة عظيمة الآثار على مجرى حياته وطريقة تعاطيه مع الأحداث، فيبني منظومة فكره على معنى معين للوجود وهو تآزر البعد المعنوي والغيبي، فمن اعتقد أن رزقه هو نتاج كد يده وما يبذله من عمل حثيث فقد جانب الصواب، وذلك أن المرء يأخذ بالأسباب المادية للدراسة كالمذاكرة الجادة وللعمل كالمثابرة، ومع ذلك لا يتحقق ما يريد في بعض الأحيان، وفي ذلك دليل على وجود قوة مؤثرة حالت بينه وبين نجح مطلبه ورغبته.

كما أن همته العالية وإرادته القوية للنزول في ميدان العمل الإنجازي يصيبها في بعض المحطات الزمانية فيروس الكسل والملل والإحباط وأكثر من ذلك، مع ما يحمله من مبادئ في عالم النجاح كالصبر ومواجهة الأزمات والتحديات، ولكن قواه تخور وتضعف تحت ضربات الظروف الصعبة ولو بنحو بسيط كاستيلاء الهم عليه مؤقتا، فيفقد اتزانه الفكري والانفعالي.

والنحو الآخر للخطأ وهو اعتقاد البعد الغيبي المؤثر لوحده في حياة اللإنسان ورزقه، فيوصله إلى حالة الاتكالية والعجز عن البحث والعمل والضرب في الأرض، فإن الرزاق هو رب العالمين وقد تكفل ب زق عباده، فمهما عمل فلن ينال أكثر مما كتبه الاه عز وجل له، فلماذا يتعب نفسه فيما هو مضمون له في عالم الغيب؟

وقد غفل أن الله تعالى قد جعل الأمور بأسبابها، فالشفاء من المرض - مثلا - له عامل مادي وهو تشخيص الطبيب وتناول الدواء الموصوف بدقة، ويبقى أثر الشفاء بيد الله تعالى ومقضيا بحسب حكمته، وإلا فما معنى شفاء بعض من تعالج من مرض ما وتخلف ذلك عن آخر مصاب بنفس المرض وقد سار على الطريقة العلاجية ذاتها؟

العامل النفسي: ولنا أن نتصور تأثير الحالة النفسية لشخص قد تملكه اليأس والظن وبين آخر يسير بخطى واثقة لا تردد فيها، بلا شك أن مسيرهما متباين ونتائجهما لن تكون واحدة، وهكذا تعامل الإنسان المحتاج عندما يقدم على من يقضي حاجته، فإذا كان الرجل الثري معروفا ببخله وتجاهله لحاجات الآخرين وعدم إحساسه بآلامهم، فإن خطى المحتاج ستكون ثقيلة لإحساسه بأنه يقوم بخطوة نسبة نجاحها ضعيفة، وأما من يقدم على صاحب المعروف والكرم ومن يفرح بقدوم المحتاج إليه حبا في قضاء حوائج الناس، وصاحب المال والجاه الذي يسع حاجات الكثير من الناس، فإن نفس المحتاج الواثقة بنجح مطلبها تحثه على المسارعة والمبادرة، فكيف بمن يقدم على من لا يخيب سائله، ومن بيده مفاتيح أبواب الرزق؟

الرحمة الواسعة: الرحمة الإلهية تسع حاجات الإنسان المادية والمعنوية، فقد تمفل سبحانه بلقمة عيش عبده وما عليه إلا أن يبدأ رحلة الكفاح والعمل الحثيث، ورزقه المعنوي ويشمل راحة النفس والطمأنينة في خضم معترك صعب في حياة متقلبة، وذلك من خلال الثقة بتقدير الله تعالى وحكمته في الابتلاء.

وفي كل مرحلة تضعف فيها نفسه أمام الخطوات والمغريات الشيطانية والتزيين بتهييج النفس نحو ارتكاب المعصية والسقوط في أتون المحرمات، والتي تسلبه الاستقامة وكل توفيق للخير، وتحجب عنه بزوغ خيوط الهداية في قلبه، تفتح له خزائن الرحمة الإلهية باب التوبة والرجوع إلى الله تعالى، فلا يغلق باب الإنابة في وجهه، مما يجعل نفسه تواقة دائما للتخلص من عامل الدنس.