آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحج يوم المحشر الأصغر

من ينظر إلى الحجاج وهم يقفون على صعيد واحد، أو يتنقلون أفواجا في نسكهم ما بين البيت الحرام وعرفات مزدلفة ومنى، تصيبه رعدة يهتز لها جنانه من هيبة المشهد، وينتقل فكره إلى محشر للناس أعظم منه وهو ما بين عرصات يوم القيامة، ففي أوج الأعمال ينشغل كل حاج بنفسه غير آبه بأحوال غيره، ويتضرع إلى الله تعالى في وسط ذلك الزحام الشديد، ألا يذكر ذلك بأهوال القيامة وذهول العقول عن الأقرباء حتى والديه!

في رحلة الحج يستحضر المؤمن حقيقة وجوده والغاية من خلقه، فتنقطع علائق القلب بملذات الدنيا واستيلائها على فكره وسلوكه، فالغفلة المنشئة للهث خلف حطام زائل تنقشع غياهبها، وتحصل للحاج يقظة روحية تصحح مسيره إلى الله تعالى، فيخرج من بيته مخلفا الأهل والأحبة، ويقطع المسافات في رحلة ليست بالسهلة طلبا للقرب والرضوان الإلهي، ينطلق في رحلة معرفية وسلوكية تهذب النفس وتيقظها من سبات التقصير.

وعندما يتجرد من ملابسه المخيطة ليتحد كل الحجاج في لباس الإحرام الأبيض، ينتابه الإحساس والإدراك لذلك اليوم الذي يلحد فيه بقبره وحيدا قد تركه أحباؤه وأصدقاؤه، وبعد الصيحة يخرج الناس من القبور بأكفانهم، يا له من مشهد عظيم ينمي أحاسيس الإنسان تجاه مصيره المستقبلي والاستعداد للرحيل.

هنا يقف الحاج عند مفترق طرق: فإما أن تكون يقظته الروحية آنية لا تتجاوز وقت الحج، ومن ثم يعود إلى ما كان عليه، دون أن تحدثه نفسه بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى، فيا لبؤسه وشقائه فقد جاءته فرصة ذهبية لتصحيح مساره وضيعها من بين يديه!

وآخر اقتنص الفرصة وأعاد برمجة حياته ووقته، فليس عنده استعداد للعودة إلى العبثية في حياته وتضييع الأوقات أو انتهاك شخصيات الآخرين بسوء.

وبعد ذلك الامتحان الإلهي للحجاج وقد ابتلاهم سبحانه بالتعبد في بيته وطاعته، تظهر النتائج المشرفة وينال المؤمن مبتغاه بعد ما بذله من تعب بدني وتمحيص روحي في تلك المشاعر المقدسة، يتوج الحاج بتاج غفران ذنوبه، نعم كيوم ولدته أمه غير مأزور ولا مطلوب بتبعات ذنوب ارتكبها وقد ندم عليها، واستغفر الله تعالى منها عند بيته الحرام، فما أعظمها من رحلة وجودية تستحق كل ذلك العناء والتعب، فمبتغاه قد حصل عليه مستظلا بالرحمة الإلهية الواسعة التي شملته.