آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 11:53 ص

أمير القصيم وتصنيف “الوهابية السعودية”

أحمد عدنان * صحيفة العرب اللندنية

نشر أمير القصيم الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود مقالة في صحيفة سعودية بعنوان «الأبعاد التاريخية للعداء على السلفية والتهجم على النهج السلفي السعودي»، ولو نشرها الأمير بصفته الشخصية لسكتنا، فمن حقه كفرد أن يعبر عن قناعاته تحت سقف القانون، وإن خالف القانون فمن حق المتضرر التظلم عند صاحب القرار، لكن قيام الحساب الرسمي للأمارة في «تويتر» بتغريد المقالة ونسبتها الى الأمير بصفته الاعتبارية أمر يستحق السجال والرد. مع العلم بأنني لم أرد نبش تاريخ منسي لكن أمير القصيم هو المتسبب والمسؤول.

بدا لافتا وطريفا في العنوان استخدام مصطلح“النهج السلفي السعودي”، فالدين لا علاقة بالجنسية وهو أرقى من هذه التصنيفات لاهتمامه بالانتماء الروحي والعمق الأخلاقي، وإذا سلمنا بسعودة الدين أو السلفية، سيصبح للإسلام مذاهب وطوائف بعدد دول المسلمين ومناطقهم فتنتفي عن الدين مشاعته الإنسانية إلى صيغ محلية ضيقة ومحدودة، فهذا إسلام سعودي وذلك عراقي وذاك مغاربي وصيني، ومن المنطق هنا رفض المسلم غير السعودي، من باب الوطنية أقله، الانتساب الى طائفة لا تمثل بلاده او تجعل من وطنه تابعا لغيره، وربما سأل أحدهم أمير القصيم: هل كان رسول الله وصحابته سعوديون؟!.

وفي تناقض فادح، بعد قيام الأمير بتحجيم الإسلام والسلفية عبر السعودة، قال إن وصف دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ب“الوهابية”تقزيم للدعوة وتشبيهها بالمذاهب الباطلة التي تعبد شيوخها من دون الله كالقادرية وكالشاذلية، ومن الواضح فعلا أن الأمير تنقصه المعرفة بمذاهب المسلمين وطوائفهم وطرقهم، وله نصيحة أن يشكل انطباعه عن الفسيفساء الإسلامية من مصادر المذاهب والطوائف نفسها لا مما كتبه الغير عنها، وإذا كانت تسمية المذهب باسم الشيخ من الباطل، فماذا عن المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة سنيا: الأحناف والشوافع والمالكية والحنابلة؟!.

ويبدو أن الأمير يعاني من نقص المعلومة عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي يزعم الدفاع عنها ابتغاء الأجر، فهذا الشيخ سلمان بن سحمان، الملقب بحسان الدعوة نسبة إلى حسان بن ثابت شاعر النبي، له مؤلف بعنوان“الهدية السنية في التحفة الوهابية النجدية”، ومن شعره قوله:“نعم نحن وهابية سلفية/ حنيفية نسقي لمن غاضنا المرا/ ومن هاضنا أو غاضنا بمغيضة/ نصعقه صعقا ونكسره كسرا/ بمحكم آيات وسنة أحمد/ نصول على الأعدا ونأطرهم أطرا”. وإذا استذكرنا مؤلفات الشيخ عبد الله القصيمي الأولى، قبل انفجاره الفكري، في الرد على خصوم محمد بن عبد الوهاب، نلاحظ الاتجاه نفسه في العناوين والمضمون: «الثورة الوهابية» الصادر سنة 1931 و«الفصل الحاسم بين الوهابيين وخصومهم» الصادر سنة 1934. وقد أثبت الأديب الرائد عبد الله عبد الجبار في كتابه المرجعي «التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية» الصادر سنة 1959 مقولة شيخ نجدي تعليقاً على هذه الكتب: «القصيمي دفع مهر الجنة ولا يضيره ما يفعل بعد ذلك، ولا نجد رأساً يطاول رأسه إلا رأس ابن تيمية».

الخلاصة من هذه الأمثلة، أن مصطلح «الوهابية» راج دون اعتقاد باستخدامه، فقط، للإساءة والتشويه، خصوصاً في بدايات الدعوة، إلى استبداله مؤخرا بمصطلح «السلفيّة». وكان بعض «الوهابيين» يطلقونه على أنفسهم دون غضاضة «كالشيخ سليمان الدخيل والشيخ محمد بن عبد اللطيف»، واستخدمه كذلك بعض المدافعين عن الدعوة كمحمد رشيد رضا. وفي رسالة جامعية عن جامعة الإمام محمد بن سعود عنوانها «دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب» «الجزء الأول، ص 362»، لم يتحسس الشيخ عبد العزيز بن باز من استخدام المصطلح، بل قال في مجموع فتاواه «الجزء الأول، ص 233»: «عقيدة الوهابية هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله»، ونسبَ الكلمة، في الجزء التاسع ص 190، إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مجموع فتاواه «المجلد 28، ص 41»: «إن الوهابية ولله الحمد من أشد الناس تمسكاً بالكتاب والسنة».

استهل الأمير مقالته بتعريف السلفية“اتباع منهج النبي وأصحابه”أو“اتباع منهج السلف عقيدة وقولا وعملا”، وأتحفنا قائلا“استطاع الإمام محمد بن عبدالوهاب بتوفيق الله أن يكون هو مجدد الدعوة السلفية في القرن الثاني عشر الهجري بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض وخيمت الظلمات على ديار المسلمين وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين وانطمس نور الحق واختفت السنة وظهرت البدعة وأضحى الدين غريبًا والباطل قريباً”.

إن كل مذاهب المسلمين بلا استثناء تزعم الانتماء الى مرجعية المسلمين الأوائل بعد القرآن وسيرة النبي، والزعم بأن السلفية أو الوهابية حصرا هي من تعتمد ذلك نوع من الجهل، كما أن الحديث بأن الجاهلية عمت الأرض قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ضرب من المبالغة المعتادة، لأن المؤرخين والرحالة غطوا أغلب نواحي الجزيرة العربية ومناطق المسلمين _باستثناء نجد_ من دون أن يروا ما رآه محمد بن عبدالوهاب من كفر وشرك، وأغلب الظن أن صحة ما ادعاه ابن عبدالوهاب استثناء لا قاعدة أو محصور في منطقة نجد وما حولها ليس لأن الوثائق تثبت ذلك، بل لأن تلك المنطقة لم تنل حظها من التأريخ والرصد كبقية مناطق المسلمين الأعلى شأنا كالحجاز ومصر وبلاد الشام، ولا توجد رواية مضادة متماسكة ومكتملة كرواية ابن عبدالوهاب، مع ضرورة لفت النظر، الى كتاب الشيخ عبدالله البسام «علماء نجد في ثمانية قرون» الذي قدم وثيقة محترمة تشكك نتيجتها في الصورة العلمية التي رسمها ابن عبدالوهاب عن المنطقة، وما يعزز فرضية المبالغة، أن الكتب التأسيسية للطوائف والمذاهب الأخرى، تعزو تأسيسها لنفس السبب، فكتاب“الرسالة القشيرية”مثلا يحيل نشأة الصوفية وتكونها الى انتشار الضلال في المجتمعات لتبزغ مجموعة تتمسك بمنهج القرآن والسنة والسلف.

وأبدى الأمير تعجبه من معاداة بعض السنة لدعوة محمد بن عبدالوهاب اقتداءا بالملل الوثنية كالشيعة والإسماعيلية على حد وصفه، ومن الواضح أن الأمير غاب عنه التمايز بين السنة والسلفية أو الوهابية في أمور، أولها التقسيم الثلاثي للتوحيد «ربوبية، ألوهية، أسماء وصفات» الذي استخدم بابا لمفاصلة الدعوة مع الآخر السني وبث الفرقة بين المسلمين بالتكفير عبر تحويل التنوع العقدي لأبناء الدين الواحد إلى تناقض، رفع شعار الحاكمية أو تسييس الإسلام المنتمي الى توحيد الألوهية أساسا واستخدمته الجماعات السلفية لتكفير الأنظمة والجماعات، رواسب الناصبية بمجافاة آل البيت وهذا واضح _ مثلا_ في كتاب منهاج السنة لابن تيمية الذي انتقص من خلاله علي بن أبي طالب وابنه الحسين، رواسب التجسيم كما في كتب العقائد التيمية التي أوحت بآدمية الصفات الإلهية من جهة ومن جهة أخرى ألهت مجازا من أوتي نصيبا من الكمال البشري، استسهال تكفير المسلمين، وتقسيم بلاد المسلمين أنفسهم إلى ديار كفر ودار إسلام ووجوب الهجرة إلى الشيخ أو لمناطق دعوته، والنقطة الأخيرة نجم عنها أحكام فقهية قاسية كالغزو والسبي والاستتابة.

إن التمييز بين السنة والسلفية واجب وجوهري لحقيقته ولدفع تهمة الإرهاب عن السنة. والربط بين ابن عبدالوهاب وابن تيمية لازم وضروري، فالشيخ مقلد لابن تيمية الذي من آرائه المخالفة قطعا للإسلام لا السنة وحدهم: أنفس غير المؤمنين وأموالهم مباحة للمسلمين، الكفار لا يملكون أموالهم ملكا شرعيا ولا يحق لهم التصرف بها، غير المؤمن تجب عداوته وإن أحسن إليك، وجوب إهانة غير المسلم وإهانة مقدساته، العرب أفضل الأمم وأذكاها وقول غير ذلك بدعة وعدم تفضيل جنس العرب نفاق وكفر، الكيميائيون يضاهون خلق الله والكيمياء لا تصح عقلا ولا تجوز شرعا، اكتساب الفضائل بالابتعاد عن القراءة والكتابة أوفق وأكمل.

السنة _ عقديا وتاريخيا _ هم الأشاعرة والماتريدية «الأشاعرة يمثلون ما نسبته 90% من أهل السنة»، وهم _ فقهيا _ أتباع المذاهب الأربعة، والصوفية تنتمي الى هذا التوصيف العقدي والفقهي، لكن الدعوة السلفية تنظر بسلبية إلى السنة «الأشاعرة والماتريدية»، وباستثناء تأييد فتاوى التشدد ليس للدعوة موقف واضح فعليا من المذاهب الأربعة، فمحمد بن عبدالوهاب في موضع لا يبطل أدبياتها وفي موقع آخر يعتبرها عين الشرك، ومن خلال مقالة الأمير أثبت إيغال الدعوة في التكفير من خلال موقفه السلبي من كل ما عداها، وهذا ليس غريبا فهذه نماذج من أدبيات الشيخ نفسه: تكفير البدو «راجع «الدرر السنية» المجلد العاشر ص 114»، تكفير قبيلة عنِزة «ص 113 وكفر فيها أيضاً قبيلة الظفير»، تكفير أهل العيينة والدرعية من معارضي الشيخ «المجلد الثامن ص 57»، تكفير محيي الدين ابن عربي وتكفير من لا يكفره أو يشك في كفره «المجلد العاشر ص 25»، تكفير أهل سدير وأهل الوشم «المجلد الثاني ص 77». كما يكفر الشيخ السواد الأعظم من المسلمين، أي كل من لا يتبع دعوته، «المجلد العاشر ص 8» وتكفير من يتحرّج من تكفير أهل لا إله إلا الله «ص 139». في أدبيات الشيخ كان المقصود بالمسلمين أهل دعوته ومناطق نفوذه، والمقصود بالكفار والمشركين هم خصومه كلهم «المسلمون أيضا».

إن النتيجة السياسية لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب المتمثلة في قيامة الدولة السعودية، بالتأكيد ليست موضع جدل أو تفريط، لكن أتباع الشيخ يظلمون شيخهم ودعوتهم وأنفسهم بوضع ابن عبدالوهاب ومدرسته في منزلة فوق البشرية بالتقليد الأعمى وبتجاهل النقد لتنطبق عليهم الآية“حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا”التي تنسف النظرية السلفية من جذورها، وإذا كان الشيخ ضد البدعة فتسمية“السلفية”أكبر بدعة لأن القرآن والنبي سمونا المسلمين لا السلفيين، وإذا كان الشيخ مذكرا بالدين فقد تذكر الغافلون الذين كانوا حصرا في منطقة بعينها لا عموم المسلمين والأجدى الآن هو الاهتمام بالأصل «القرآن والرسول» لا الهامش، وإذا كان الشيخ مجددا ظهر قبل ثلاثة قرون كما زعموا فلماذا أعاق أتباعه ظهور مجددين آخرين مع انه وفق الأثر يظهر كل مئة سنة من يجدد للأمة دينها؟! ومن الملفت رفض أتباعه نسبة معنى التجديد للشيخ «التمايز أو المخالفة» اعتباطا واكتفاءا باللقب لرفض تمايز غيره عنه. هو داعية وليس نبيا كما وصفه الباحث حسن فرحان المالكي، ولعله إلى الشخصية السياسية أقرب نظرا لتقلبات مواقفه وأفكاره المتعددة والمرصودة.

ربط شرعية النظام السعودي بالسلفية يحرج الدولة لالتصاق الارهاب بالسلفية لا بالسنة، ويضعف الكيان ويهدد مستقبله بسبب انتهاك المواطنة وتضييق شريحة الموالين بحصرها في الوهابيين وحدهم وتحقير غيرهم، كما أن احتكار الإسلام في طائفة بعينها يجافي المنطق والعدل وسينتهي إلى تمزيق الإسلام كله بالتكفير وبالإرهاب، وإنني أتعجب من قيام أمير القصيم بتكفير شريحة من المواطنين «الشيعة والإسماعيلة»، ومنهم من يشارك جغرافيا في حرب المملكة ضد الحوثيين ومنهم المستهدف من إيران وداعش لتفتيت الدولة، وهم جزء أصيل وغال من الوحدة الوطنية والتعرض لهم عبر شخصية رسمية بالذات زعزعة للاستقرار وبث للفتنة وإهدار للدم الذي يجب أن يعاقب عليه القانون.

كان الأولى بأمير القصيم أن يستذكر مقولة الملك سلمان“نؤكد رفضنا التام للتصنيف الطائفي والمذهبي إدراكا منا بمخاطره على اللحمة الوطنية لبلادنا. إن كل مواطن في بلادنا وكل جزء من أجزاء وطننا الغالي هو محل اهتمامي ورعايتي، فلا فرق بين مواطن وآخر، ولا بين منطقة وأخرى. ونؤكد حرصنا على التصدي لأسباب الاختلاف ودواعي الفرقة، والقضاء على كل ما من شأنه تصنيف المجتمع بما يضر بالوحدة الوطنية، فأبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات”. وكان الأجدر بأمير القصيم احترام ذكرى الملك عبدالله الذي أعلن في قمة مكة الاسلامية عام 2005 الاعتراف بكل طوائف المسلمين ورفض تكفيرها، لكنه نقل عن الجميع الا عبدالله!.