آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما أكثر الضجيج

مظهر واحد يتسم به حجاج بيت الله الحرام وهو لباس الإحرام الأبيض، وما يفرق بينهم هو نية كل واحد منهم ومقدار إخلاصه لله تعالى، فهناك من أفرغ العبادة من مضمونها وأبقاها صورة متمثلة بأفعال لا تأثير لها على شخصيته وتطبع سلوكه بها، قد أدمن على الذهاب إلى الحج وقد حولها البعض إلى رحلة سياحية يبحث فيها عن أرقى المساكن وأشهى المأكولات، ولا يشغل باله أصلا السعي إلى تحصيل الأجواء الروحية في تلك البقاع المقدسة، ويقضي جل وقته في الأحاديث العادية والتجارية، فلم يفرغ قلبه وعقله للتدبر في آيات الله أو مضامين الأدعية المتعلقة بالحج، ولا الاستفسار عن الغايات من أفعال الحج بين طواف وسعي ورمي جمار وغيرها، فليس عنده من استعداد لتلقي معارف الحج.

الحج المحمدي يبدأ من نية الحاج الإخلاصية والتقيد بطيب ماله وأداء الحقوق الشرعية، ويعمل جاهدا على حفظ جوارحه من التعدي وخصوصا اللسان، فإن الاستمرارية على ارتكاب المعاصي وغياب تهذيب النفس وتحليها بالخوف من الله تعالى، يجعل رحلة الحج مسارا للبعد أكثر من رحمة الله تعالى ومغفرته، فالجائزة السنية التي يفيض بها الرحمن على حجاج بيته المخلصين وهي التجاوز عن ذنوبهم، فيقفلون إلى بيوتهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، هي لمن أشرقت أنوار الورع والاستقامة في قلوبهم.

حسن معاشرة الحجاج: للحج جوانب تربي شخصية الحاج على مختلف الصعد والأبعاد ومنها الجانب الاجتماعي، وذلك أن الحاج يرافق قافلة تضم العديد من الحجاج يتباينون في شخصياتهم بين سهل لين أريحي وبين آخر صعب وغضوب ومزاجي وسريع الزعل وغيرها، وهنا يدخل الحاج دورة تدريبية مصغرة عن حال أفراد مجتمعه بعد رجوعه من الحج، فكيف يستطيع أن يتعامل مع الجميع دون أن يدخل في خلافات أو خصومة مع أحدهم، ففي تلك الأجواء المرهقة للبدن تستفز الأعصاب، ولا تتحمل أي نقاشات سرعان ما يشتد أوارها فتستعر ويبدأ التراشق بالكلام الجارح؟

فمن جهة مهمة فإن عليه أن يضبط انفعالاته ويكبح جماح لسانه من الانفلات، ففي لحظة طيش وغضب قد يصدر منه كلام جارح ومسيء يندم عليه كثيرا فيما بعد، فالتعامل مع الآخرين يحتاج إلى سعة صدر وصبر على زفارة وسوء خلق البعض، وما يجنبه المشادات الكلامية أو الزعل منه بسبب احتكاك بسيط هو التغافل والتجاوز عن الإساءات غير المتعمدة، فذاك يمنحه راحة نفسية وهدوء بال بعيدا عن التوتر والقلق والتفكير السلبي، بمعنى اجترار المواقف بعد انتهائها ومحاولة رد الإساءة مستقبلا، فمن غير المعقول أن نعيش تحت رحمة الضغوط المتولدة من المواقف التي لا تعجبنا أو تجرحنا.

من أفضل القربات إلى الله تعالى في الحج هو التودد للحجيج وتسلية خواطرهم وتفريج همومهم، بما يمتلكه الحاج من كلمات صادقة تبلسم هواجسهم وآلامهم.