آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الاستئساد والتنمر

تحظى العلاقات الإنسانية اهتماما كبيرا من علماء الاجتماع، والذين يؤصلون لها بقواعد وأسس تضمن لها البقاء والاستمرارية، فروح الاحترام المتبادل هو ما يجنب الأطياف المتنوعة الانزلاق في أتون الخلافات المدمرة، فالخوض في خصوصيات الآخر بطريقة مجة وغير مسئولة يدخلهما في نقاش عقيم لا جدوى منه سوى تعميق الكراهيات وشق طريق الفرقة والعداوات المستحكمة.

قنوات التعارف في مواقع التواصل كان المترجى منها تعميق مبدأ الأخوة الإنسانية دونما نظر وتدقيق في خصوصيات أفكار واتجاهات الفرد الفكرية والدينية، فهناك تباين وتنوع في الميول والمعتقدات لا يمكن تذويبها أو العمل على انصهارها مهما كانت قوة الجهد التقريبي، بل هناك فكرة التعايش وتقبل الآخر بما هو هو، فلا وجود لفكر ضيق يقوم على إقصاء الآخر وإلغاء وجوده أو تجاهله بسبب اختلاف هنا أو هناك، وإن كان هناك من عدم قناعة بفكرة مخالفة فيمكن طرحها على بساط الحوار الهادئ المفضي لتفهمها.

ولكن المستوى غير المسبوق في التراشق الكلامي والاتهامات والازدراء التقني في شبكات التواصل لم يعد مقبولا ولا مخططا له من قبل القائمين عليها، فنحن نعيش على حافة الهاوية في علاقاتنا بالآخر، وبدأت لغة الحقد والكراهية متعمقة ومتجذرة بين من ضربهم عصف الطائفية والعنصرية، وغدت ساحة أفكار الآخر مستباحة لكل من هب ودب، وانهار السور العظيم وهو الاحترام المتبادل ليتمترس كل فرد عند خلفياته الفكرية.

فهذه شبكات التواصل تعج بلغة السباب العالية لمجرد التعرض لفكر الآخر، ولم يعد هناك دور للحكماء من جميع الأطياف ليبدو منهم دورا معطاء في تخفيف رنة العصبيات الفتاكة، لقد غابت لغة العقل والتهدئة فمتى تعود؟!

إن نظرة سريعة على التعليقات التقنية «الإلكترونية» تضعنا على معرفة واضحة بما يدور فيها من رائحة العنصرية البغيضة، ويعلوها استنقاص الأطياف الأخرى وإهانتهم لا لشيء بل لمجرد التباين الفكري والثقافي؛ ليصمهم بكل ألوان الشتم واستخدام الأسلوب الساخر في تناول معظماتهم ومقدساتهم، دونما تفكير بالنتائج الكارثية المترتبة على هذا التناول الفج الصلف لها.

وهناك نقطة مهمة تبرز كإحدى مفردات التنشئة السليمة لأبنائنا، وهي طريقة التعبير عن المواقف والسلوكيات التي لا نتفق معها، فيمكنه بكل بساطة أن يعبر عن احترامه لثقافة الآخر مع عدم قناعته بها، فيتحدث عنها بلغة ينضح منها الأسلوب الراقي البعيد عن الهمز والتعرض بسوء لها.

أما التعبير عن ميول واتجاهات الآخر بازدراء ولغة استهزاء فهذا يعبر عن بيئة غير تربوية تلقى فيها مثل هذا الأسلوب، فردة الفعل من فكر الآخر المختلف معك هو ما يحدد أطر شخصيتك الثقافية والسلوكية.

الصورة الوحشية القاسية التي يعبر بها البعض عن رفضه لمقدسات ومحترمات الآخر والتي لا تعجبه، لا يمكن قبولها والسكوت عنها ممن يدرك ما يترتب عليها من تعميق الخلافات وانحسار مساحات التلاقي، فلغة التهجم على الآخرين وكأنه أسد أو نمر في الغابة يباغت فيها الغير أزكمت الأنوف من رائحتها النتنة، فليكن لأرباب العقول وأصحاب المبادرات الاجتماعية الخيرة صولة في هذا المضمار، فتصمت أصوات التفرقة النشاز.