آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

من كنوز الحكمة الباقرية

المصابرة والرباط:

ورد عن الإمام الباقر في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..

قال : «اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا على أذية عدوكم، ورابطوا إمامكم المنتظر» «مكيال المكارم ج 2 ص 398».

أشار الإمام الباقر إلى توضيح ثلاثة مفاهيم وجهت الآية الكريمة إلى التمسك بها، فهي سلوكيات ترتبط بجانب الإيمان بالغيب وتأثيره على حياة المؤمن، فيولد في نفسه تجلدا وتحملا للمشاق ليقينه بأن القدرة الإلهية تؤيده، فهذا مسير القرب ونيل الرضوان.

وأما مصابرته على ما يتلقاه من أذى فينبت فيه شجرة الهمة التي لا تفتر والإرادة التي لا تنكسر، ومحاولة كسره نفسيا من خلال ألوان الأذى والضرر الذي يصيبه لا تفلح أبدا، بل يبقى صامدا في ميادين العمل المثابر.

والمرابطة الحقيقية هي الاستعداد النفسي والمسلكي لحرة الإصلاح المهدوية، فأنصار الإمام المنتظر لهم مواصفات إيمانية يتمتعون بها، وضمانة استقامتهم ثباتهم على الحق وعدم الانخراط في موجات التشكيك أو الفتن والانحراف الأخلاقي، هو حصن التقوى والخوف من الله تعالى والذي يهبهم يقظة من تزيين الشيطان الرجيم وخطواته، وحذرا من إغراء الشهوات والأهواء.

1 - الصبر على الفرائض:

يقسم علماء الأخلاق الصبر إلى: «صبر على الطاعة - صبر على المعصية - صبر على البلاء»، والصبر هو قرة التحمل وعدم ظهور حالة التململ والضجر بسبب الشعور بثقل تلك العبادة، وللشيطان الرجيم طرق متعددة في إفراغ نفس العبد من الأنس بالطاعة، ومنها: شغل وقت المرء بتوافه الأمور وما لا فائدة فيه وما لا يعنيه، فتأنس نفسه بحديث ومجالس البطالين.

ومنها الوهن النفسي الذي يبديه بسبب عدم تربية النفس على مبدأ قطف الثمار بعد موسم الحصاد، بل اعتاد على الراحة والدعة فيشعر بثقل وكبر للعبادة عليه.

ومنها روح الملل والضجر التي تذب سريعا في نفسه، فتجد رغبة في التخلي والترك بعد أن انتفت منها الهمة على المواصلة والاستمرار، فما يصبره هو إدراك ثمرة طريق الطاعة وما سيحظى به جزاء.

2 - المصابرة على الأذى:

لا يخلو المؤمن من ضرر يلحق به جراء عداء ومخاصمة من نفوس مريضة تملكها الحقد والكراهية، فتعبر عما تحمله من مشاعر سلبية تجاه الغير بتربصه بالضرر المادي والمعنوي، فيعد التسقيط الاجتماعي والاستنقاص من شأنه أمام الآخرين وفي محضرهم من أشد ألوان العداء، والتهجم عليه بلغة الشتم والهمز وبث الشائعات الغرضة بحقه والافتراء عليه هي وسائل إسقاطه من عيون المنجذبين إليه.

ولا يزيد العدو حنقا ويصيبه بالغيظ المدوي والحنق القاتل إلا تجاهل أسلوبه العدواني الرخيص والاستمرار في طريق الإنجاز وتحقيق الأهداف، فإنه من قلة العقل التوقف أو العناية بكلام أو تصرفات السفهاء الحاقدين.

3 - المرابطة والانتظار:

يشتبه البعض في فهم حقيقة انتظار المهدي المصلح، فيظن أنه البقاء مكتوف الأيادي وعدم القيام بأي مساهمة أو مشاركة في هذه النهضة المباركة، ويقرب الإمام الباقر معنى الانتظار بالمرابطة والتي تعني تيقظا وترقبا وحذرا من أي تغير طارئ.

والمؤمن المنتظر هو من تهيأ لأن يكون جنديا باسلا من قوات الإمام المهدي، فيحمل في فكره وسلوكياته نهج الإيمان والتقوى والأمر بالمعروف، ويحمل هم توجيه الغير ونصحه وإرشاده لسبل الخير وتحذيره من طرق الانحراف والفساد، فتتوق نفسه ليعم العدل وجه الأرض.