آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وقفة مع معاني المباهلة

قدم وفد نصارى نجران على رسول الله ﷺ في أواخر شهر ذي الحجة في السنة التاسعة للهجرة، وكانت فرصة سانحة للنبي الشفوق الرؤوف، والساعي لإيصال أنوار الهداية وإشراق القلوب بالمعارف الحقة، لا التي مسها التحريف والتبديل كالمسيحية فتم تشويهها، ووصل بهم سوء الحال إلى القول بالتثليث وادعاء بنوة عيسى لله عز وجل - تعالى سبحانه علوا كبيرا عما يصفون -، فأخذ النبي الأكرم في تبيان وجه الحقيقة في خلقة عيسى ، وأن التقاء الزوجين ما هو إلا سبب طبيعي، ولا يوجد من يقول أن ولادة عيسى جاءت إلا بنحو الإعجاز، فيزول عند ذلك الاشتباه والانحراف العقائدي، وضرب لهم ﷺ مثلا بنبي الله آدم والذي خلقه سبحانه من دون أبوين، فما عساهم أن يقولوا في إعجاز خلقه، ولماذا لم ينسبوه - كذبا - ولدا لله عز وجل كعيسى ؟!

كانت أجواء الحديث علمية وتقوم على أسس منطقية رصينة، وإن لم يقابلها نقاش ورد برهاني، فالسكوت عن الرد يعني قبولا وقناعة وتسليما بالحجة الدامغة من الخصم، ولكن نصارى نجران أخذتهم العزة بالإثم فكابروا ولم ينزلوا عند الحق والصواب المحمدي، وأبوا إلا عنادا وإصرارا على منهج الضلال ونسبة النقص للذات الإلهية.

عدم قبول الحجة والبرهان: لما رأى رسول الله ﷺ منهم التعنت والاستكبار عن قبول الحق، دعاهم إلى منهج آخر يثبت لهم خطأ ما هم عليه من دين محرف، ويؤكد لهم أن خاتمية الأنبياء والرسل هي في النور المحمدي، فإن ضاقت عقولهم عن قبول الفكر الصائب والنهج القويم، وغلفوها بحجب الاعتكاف والتمحور حول الباطل والديانة المحرفة، فليأتوا إلى ساحة أخرى تضع الجميع على محك الصوابية والهداية، إنها المباهلة والملاعنة أي طلب نزول العذاب من رب العالمين على الديانة الباطلة الضالة، فيتضح للجميع من هو الكذاب الأفاك الأشر، وتظهر لهم الديانة الصحيحة الحقة فيتبعها الكل دون مؤاربة أو تردد.

دلائل صدق: لا يخفى على أحد مكانة أهل البيت في قلب رسول الله ﷺ وأنهم أحب الناس إليه، فقد روى الترمذي في صحيحه أن عائشة سئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ؟

قالت: فاطمة، قيل الرجال؟

قالت: زوجها، إنه كان - ما علمت - صواما قواما» «أخرجه الترمذي «رقم 3874» باب مناقب فاطمة».

وروى عبد الرحمن بن أبي نعم عن النبي ﷺ: إن الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا» «السلسلة الصحيحة للألباني ج 2 ص 102».

فإذا كانت محبته لهم بهذه الدرجة العالية، وهو المسدد والمعصوم من مدح أو محبة إلا بأمر من الله تعالى، فهل يعقل أن يعرضهم إلى الضرر الكبير والخسارة الفادحة أو إلى السقوط الاجتماعي المدوي؟

وذلك أن استجابة دعاء نصارى نجران يعني نزول الهلاك على محمد وأهل بيته - حاشاهم من ذلك -، ولا يتصور أن قلب النبي الحنون والمليء بالرحمة سيعرض أهل بيته للسوء بهذا المستوى، وإن لم يستجب لكلا الطرفين فسيكون في ذلك سقوط لمكانة الطاهرين، وتشكيك في دعوة النبي ﷺ والتسديد الإلهي الذي يظلله.

وهذا يشي لنا بشيء مهم لا يخفى، وهو: درجة اليقين العالية عند محمد وأهل بيته بالحق والسداد الذي هم عليه، ولو ساورهم الشك والريبة لحظة لامتنعوا عن المباهلة، كما حصل ذلك من وفد نصارى نجران حيث قال أسقفهم: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة» «التفسير الكبير للفخر الرازي ج 8 ص 85».

أفاضل الناس وأكملهم: في هذه الحادثة ظهرت الحظوة الإلهية والصناعة الربانية للعترة الطاهرة، فتبين للناس من يمثل نهج الرسول ويشابهه في الحق والاستقامة، فهم الصفوة التي حازت جماع الإخلاص والعلم اللدني والتضحية والعطاء والخلق العظيم، فعبرت آية المباهلة عن أمير المؤمنين بأنه نفس الرسول، والحسنان طفلان صغيران قد أوتيا الحكمة وفصل الخطاب بدلائل منها حادثة المباهلة، والزهراء أشرف النساء وأعلاهن درجة فهي المطهرة من كل رجس بصريح القرآن الكريم.