آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

تبلد الوجدان

ورد عن أمير المؤمنين : «عجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموتى» «غرر الحكم ص 218».

مواقفنا تحت طائلة المسئولية والمتابعة والمحاسبة، ولا يقبل من العاقل تصرفات متهورة أو أفكار تبعث على الضحك والسخرية منها، لتفاهتها ومخالفتها للبديهيات.

تصدر من الإنسان تصرفات تبعث على الدهشة والاستغراب، وذلك لمنافاتها لأبسط القواعد البديهية والأمور الوجدانية المشاهدة بالعين، فيمر على الأمر الواضح وكأنه لا يراه ولا يأبه لوجوده، ولا يلقي له أي أهمية في تفكيره وسلوكه، إنه الزهايمر المكتسب والهرم العقلي الناجم عن جهالة المرء وعدم مبالاته بما يجري من حوله.

هناك من الأحداث والوقائع التي تمر علينا أو نسمع بها ويلفها النسيان كليا أو جزئيا، إما لتقادم عهدها ومرور السنين على جريانها، وإما لعدم أهميتها وتأثيرها في حياتنا فلا تعد من المنعطفات المهمة في مسيرنا، ولذا تعلق بأذهاننا فترة زمنية قصيرة، ولكن سرعان ما يبرز أفولها وتغيب كشمس تعلن نهاية يوم مليء بالأحداث، لا يبقى منها في الذكريات إلا ما يمس مشاعرنا ومستقبلنا.

وهناك من الأمور المهمة والتي تعد مفصلية ومنعطفا هاما في حياتنا، وتلقى عناية خاصة ورعاية لأنها تمثل أملا وهدفا نسعى لتحقيقه، ولا يمكن قبول عذر النسيان والغفلة عنه إذا حاسبنا أنفسنا في لحظة الخسارة وفوات الفرصة السانحة، وقوام نجاحنا يقوم على بذل الجهود وبروز الإرادة القوية لتحصيل مرادنا، ويحفزنا كثيرا على السعي خلفها ما نرتجيه من تقدم وإنجاز كبير بتحقيقها على أرض الواقع، فتصور أهمية الشيء أكبر عامل للسعي له وتحمل المشاق والعقبات التي تصادف عملنا.

وهناك خطوات تحفها مخاطر وخسارات كبيرة قد لا تعوض، فنحذر كثيرا من الوقوع فيها وتبقى عيوننا يقظة من لحظة السقوط والتهاوي في مسلسل الأخطاء.

وبعد هذه المقدمة فلننظر لمسألة الموت والرحيل من الدنيا، فلنصنفها في أي خانة من مدركات الإنسان العقلية؟ بلا شك أنها كمسألة مصيرية يتعلق عليها أس حياتنا وكيفية إدارتها، فإذا كان من القضايا اليقينية التي لا نقاش في عدم تخلفها عن أحد، وعدم تقديم الموت لأي استثناء مهما كانت عظمة الشخص، فهذا الجزم له آثاره وطريقة التعامل معه، والذي يقتضي أن لا يجعل المرء أكبر اهتماماته بإضافة الأرصدة المالية واستثمارها في العقارات والأبنية الشاهقة وينسى كل شيء عداها، ويتعايش معها وكأنه مخلد لا يموت، وتأخذه الآمال والأماني الزائفة من محطة لأخرى، فيكون أمر الرحيل عنده منسيا ولا يتوقع حدوثه أبدا، إنها حالة الانفصال بين الواقع والحقيقة وبين حياة كاذبة مخادعة تنزلق على أرضها أرجلنا، فلم نكن على مستوى تفكيري يؤهلنا لانكشاف الحقيقة، فمن نسي الموت في عمله عاش حياة الخديعة والاستمتاع الزائف.

ما أعجب هذا الإنسان الذي يحوطه الضعف في كل أبعاد وجوده، ضعيف في قوته البدنية والفكرية والنفسية، فالبديهيات التي لا تختلف عليها العقول كالموت، لا تأخذ منه أي مراعاة ولا عمل بمقتضاها، فتراه في لهثه خلف الشهوات، وجناياته في حق نفسه بارتكاب المحرمات، وانتهاكه لحقوق الناس المعنوية والمادية وكأنه سيخلد أبد الآبدين، فمن أيقن بالموت عمر دنياه بالأفعال الحميدة والذكرى الطيبة، وجمع قواه لبناء مستقبله الأخروي.

أمير المؤمنين يتحدث عن آفة من حجب العقل عن التفكير السليم وهي تبلد الإحساس عن الاعتبار والعظة، فيرى الموت في كل يوم يختطف الناس والأحباب ولا يؤثر ذلك في شعوره وتفكيره، فالحصيف الأريب من اتعظ بأحوال غيره، وجعل له مذكرات ومنبهات عن الوقوع في الخطايا، فالوجدان والمعاينة أبسط الأدلة والبراهين التي لا تفارق العقل.