آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

انتقاص الغير

العلاقات الإنسانية لا تستقيم إلا بانتهاجها مبدأ احترام الآخرين في أفكارهم والتحاور والتعامل معهم مهما كانت هناك تباينات أو اختلافات، فهناك قناة تحافظ على شخصية كل فرد وجماعة وهي الحوارات البناءة وطرح التساؤلات الجادة والإجابة عليها، وتبقى القناعات الفكرية موضع مسئولية وحق شخصي لا ينبغي اقتحامها.

ومتى ما انسلخ المرء من القيم الإنسانية فإن ذلك يعني توترات وهجمات غير مسبوقة وردود فعل متشنجة، مما يدخل الجميع في مهاترات تحرق طاقاتهم، وتسرق منهم أجمل اللحظات في حياتهم.

وجذور انتقاص الغير ينشأ من التربية الأسرية التي تلقاها، فيرى أمامه جوقة من التعليقات الساخرة حول أشخاص في أشكالهم وألوانهم وطريقة كلامهم وما يعانونه من عاهات جسدية أو عقلية، فينمو عنده حس تأكيد الذات وتقديرها في أحد أبعاده من خلال إظهار مكانته واتصافه بقدرات خاصة، والعمل على التقليل من شأن الآخرين والغمز من قناتهم والاستهزاء بهم في شخصياتهم.

والأسرة الناجحة هي من تربي أبناءها على قيمة احترام الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن أي محددات أو خصوصيات أو اتجاهات، وأن الاحترام حق للغير وليس تفضلا عليه، وإذا كان هناك من نقد أو ملاحظة فلتكن لنفس السلوك الأخلاقي غير المقبول وليس لصاحبه.

ومن العوامل المؤدية لاتخاذ الفرد أسلوب الاستهزاء هو افتقاره للثقة بالنفس والإحساس بالعجز عن تحقيق منجزات تسجله في خانة الناجحين والمتفوقين، فيرى في انتقاص الغير أسلوبا في مجاراتهم وإظهار أنه ند ونظير لهم ولا يقل قدرة ومهارة عنهم، فيبرز تطاوله على شخصياتهم ولسانه الحاد في التعبير عن مواقفهم والتقليل من شأنها على أنه رقم له حضور وليس صفرا على الشمال، ولا يدري أنه بذلك يظهر إفلاسا قيميا وانحطاطا أخلاقيا يفسح فيه المجال لنفسه باحتقار الغير وجرح مشاعرهم وكسر خواطرهم واستباحة عوالمهم الخاصة، باستخدامه لهذا الأسلوب الرخيص الذي ينم عن افتقار صاحبه لأبسط أدبيات التعامل الحسن القائم على احترام الغير وعدم التعرض له بأي إساءة.

ويلجأ البعض لهذا الأسلوب غير المقبول بتاتا من أجل التلاعب بنفسيات الآخرين وتشكيكهم فيما يمتلكونه من قدرات وطاقات منتجة، فيحجم كل إنجاز جميل ويقلل من شأنه، لئلا ينطلق الآخرون في فضاء اللمعان الإبداعي الذي يبهر الجميع ويخطف عنه الأضواء اللافتة، فيجد في الانتقاص وسيلة لقطع الطريق على هذه النجومية، وبالطبع هذه الصورة الخاطئة ترسمها مخيلته المريضة أو الممتلئة حقدا وتغيظا من الغير، بما يضعه في خانة من يسمون بأعداء النجاح.

هذه الفئة من الناس لا ينبغي التعامل معهم بنفس الأسلوب فهذا سيسقط الجميع من أعين الناس، كما أنه يسلبهم أجنحة العمل المثابر وهو التركيز واغتنام الأوقات، بل علينا أن نتعالى عن مثل هذه الإساءات، ولا نتخلى أبدا عن قيمة الاحترام والبعد عن الأساليب المستفزة مهما كان.