آخر تحديث: 23 / 6 / 2017م - 3:47 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الشخص: أنتمي لأسرة علمية وأدبية وبيتنا موئل للعلماء والخطباء والشعراء

جهينة الإخبارية حوار/ فؤاد نصر الله - سلمان العيد المصدر: مجلة الخط 57
  • أنتمي لأسرة علمية وأدبية وبيتنا موئل للعلماء والخطباء والشعراء
  • كتبت الشعر وعمري بضع عشرة سنة
  • بمنزل والدي، وموقع جدي العلمي أوجدا بيئة أدبية تأثرت بها كثيرا
  • حيث كنت أواظب على الحضور بالرابطة الأدبية بالنجف الأشرف لأكثر من خمسة أعوام
  • لا أدعم الشعراء الا لحبي لهذه المنطقة وأهلها
  • درست الهندسة المدنية، لكن الشعر بقي معي وبرفقة الدميني أسسنا ملتقىً أدبياً أسميناه جماعة شعر بالسبعينيات من القرن الماضي
  • مستوى شعرنا المحلي تجاوز حدوده الضيقة ليشمل الوطن العربي

جمع بين كونه مهندسا مدنيا، ويعمل في قطاع المقاولات، وبين كونه شاعرا مجيدا ينظم القصائد ويحلّق في الخيال.. بين الواقع الهندسي المدني الذي يسير وفق المقاسات والمعادلات الرياضية، وبين الخيال الخصب الذي بدأ معه بحكم حياته الأولى ونشأته في النجف الأشرف.. بين هذه وتلك يصدح السيد هاشم بن السيد عبدالرضا بن السيد باقر الشخص، الذي اتحفنا بحديثه الذي كان مزيجا من الأدب والشعر، ولولا أن الوقت داهمنا، ومحدودية المساحة لطال بنا المقام.

لنرى ماذا يقول هذا الشاعر المتألق، المتواضع، الذي تبدو على محيّاه هيبة ووقار رجال الدين «كونه تربى في بيئة علمية دينية فوالده وجده وأعمامه كلهم رجال دين»،، وعلى لسانه رقة ودقة الشعراء، ويركز في حديثه تركيز رجال الاعمال الباحثين عن الربح.

الشاعر هاشم الشخص

كيف نشأت علاقتكم بالأدب والثقافة؟

أنا السيد هاشم بن السيدعبد الرضا، بن السيد باقر الشخص، ولادتي في النجف الأشرف، بحكم أن والدي السيد عبدالرضا الشخص قد ولد هناك، وكان برفقة والده الذي اقام حتى توفي هناك، فجدّي السيد باقر هاجر الى النجف مع أبيه السيد علي، ووالدي ولد هناك، وأنا صرت برفقة والدي بالطبع.. وما ينبغي الالتفات له أن جدي السيد باقر «يرحمه الله والمدفون في مقام الإمام علي بالصحن الحيدري، كان قد بلغ منزلة علمية وأدبية مرموقة، فقد بلغ درجة الاجتهاد في العلوم الشرعية مبكرا، وله العديد من التلامذة الذين يشار لهم بالبنان في مستواياتهم العلمية والأدبية مثل: المرحوم الشيخ باقر أبوخمسين، والشيخ عبدالحميد الخطي، والشيخ علي المرهون والسيد محمد باقر الصدر، والمؤرخ الشيخ باقر شريف القرشي، والشيخ محمد جواد مغنية «يرحمهم الله جميعا»، ولعلّي في هذا المقام أتذكر خلال إحدى زياراتنا الى لبنان الحبيبة أن الشيخ مغنية رحمه الله قبّل يدي جدي السيد باقر وقال: ”تلك أول يد أقبّلها بعد يد والدي“.. ونحن  وبكل شرف  من البيوتات العلمية والأدبية، بحكم أن والدي هو الآخر رجل دين، وكان من زملائه في الدراسة العلمية السيد علي الناصر، والشيخ حسين العمران، وكان «يرحمه الله» المتابع لأوضاع الطلبة الأحسائيين في النجف الأشرف، وهو الذي تقبل تزكيته لهم لدى كبار العلماء هناك، فالوالد كان دليلهم على العوائل الدينية، وبناء على ذلك فإن بيتنا كان موئلاً للخطباء والعلماء والشعراء وكان في كل عام وبشهر رمضان المبارك تعقد جلسات تقفية أدبية وكان هذا المجلس مطمحاً لأكثر الشعراء بأن يفوزوا بالجوائز التقديرية التي تمنح لهم بالفوز بالتقفية، والتي هي بمثابة شهادة اعتراف لما بلغوه من مستوى علمي وأدبي، وكان يقصد هذا المجلس الشاعر السيد مصطفى جمال الدين، والشاعر محمد العلي، وجماعة من شعراء جبل عامل من لبنان من أمثال سيد هاني فحص والسيد محمد حسن الأمين والسيد عبدالله الأمين والشيخ عبداللطيف بري والشيخ عبدالله المديحلي والشاعر صالح الظالمي ومحمد حسين الصغير والبرقعاوي عبدالصاحب.. أنني في الحقيقة نشأت في هذه البيئة، وتربيت مع هؤلاء الناس.

وهل كنت من طلبة العلوم الدينية أيضا؟

لا لم أكن طالب علم متفرغ، وإنما كنت مواصلا في الدراسة الأكاديمية العادية، لكني كنت أحب دراسة العلوم اللغوية، وكان والدي أول استاذ لي في الأدب، فهو وإن كان مقلا في الشعر، لكنّه كان ناقدا بل مجيدا في النقد، وكان يحسب له كبار الشعراء حساباً، وأتذكر ان موقفا جرى له مع الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين، حيث قال له والدي: ”إن محمد العلي اشعر منك، وقال لدي الدليل على ذلك“، فراح يفاضل بين قصيدة العلي في رثاء عمه وقصيدة مصطفى جمال الدين في رثاء عمه أو والده وقصيدة جمال الدين برثاء أو مدح الرسول وقصيدة العلي في رثاء الإمام الحسين وبدا أمامه أنه كان مطلّعا على إنتاج الشاعرين، ولذا أجرى المقارنة بينهما... لقد تاثرت في الحقيقة بهذا الجو، وأتذكر أنني دخلت في أكثر من مسابقة شعرية، خلال المرحلة الثانوية، وحصلت على بعض الجوائز، لعل أبرزها عن قصيدتي عن فلسطين المحتلة التي قلت فيها:

لا تهزي قرائح الشعراء

والمسي الجرح باليد الحمراء

واسكبي في دمي اللهيب وصبّي

في حناياي صاعقات الفناء

فدروب الفناء ما عاد فيها

للندامى معالم للغناء

ملّت البيد أغنيات تمطّت

ما بها غير أحرف جوفاء

عمديني بالنار بالصرخة الشماء

لا باللحون والأفياء

أنا ما عدت كالربيع أنثّ الطيب

عبر الحقول والأرجاء

لامس الحقد رقّتي فاستحالت

حمما تبعث الردى أصدائي

فوداعا ياهمسة الطيب بالحقل

وأهلا بالزعزع النكباء

تلك القصيدة في الحقيقة كانت تحاكي الأحلام العربية، لك أن تتصور أن وقتا ما يحضر في منزلنا 20 إلى 30 شاعرا، يدخلون في مسابقات في التقفية الشعرية ومساجلات شعرية، والفائز يخرج بكتاب ثمين من الوالد، فكان يقدم كل يوم كتابا لشاعر طوال شهر رمضان المبارك، أليس غريبا أن دخل الوالد ثمانية دنانير في الشهر يدعو عددا من الشعراء والأدباء على مأدبة غداء تكلفه خمسة دنانير، ذلك لمحبته للعلم والأدب والفكر وأهل الفكر.

وكيف كان تأثير الرابطة الأدبية عليك فكرا وأدبا؟

لقد كنت أيضا متأثرا بالرابطة الأدبية في النجف التي من بينها الشاعر محمد حسن الصغير «الذي هو مرافق لسماحة السيد السيستاني»، هذه الرابطة التي كنت أحضر جلساتها وبرامجها بدون انقطاع، خاصة وأنها تستقبل شعراء من كافة محافظات العراق مثل بغداد والبصرة، وأذكر منهم نازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتي، وبولند الحيدري، وسعدي يوسف، وكانت تقيم مهرجاناتها الشعرية سنويا موزعة على المحافظات، ولمدة خمسة أيام تدعو 100  150 شاعرا، وأديبا، تبدأ بالنجف وتمر بالمحافظات مثل البصرة وكربلاء وبغداد والحلة وتختم في النجف، ولعل أبرز وأهم مهرجان أدبي تقيمه الرابطة هو عن الإمام الحسين، حيث تدعو له 16  18 شاعرا او صاحب كلمة، ويقام المهرجان في المسجد الهندي، وأبرز ممن شاركوا السيد محمد بحر العلوم، والشثيخ عبدالحميدالخطي، ومحمد جمال الهاشمي، وعبدالرسول الجشي، والشيخ عبدالمنعم الفرطوسي، ومحمد العلي،، واتذكر ان الشيخ الفرطوسي وقف امام السيد محسن الحكيم في وقت اوج المعركة مع الشيوعيين، أعقاب الفتوى الشهيرة التي أطلقها يرحمه الله بأن الشيوعية كفر وإلحاد، فقال الفرطوسي:

بالأمس قد هتف الرفاق لماركس

واليوم حزب البعث مجّد عفلقا

وكلاهما كفرا بدين محمد

وكلاهما بسما الغواية حلّقا

وهنا رد الحكيم بعد البيت الثاني قائلاً هذا شعر يسمع من وقوف فإذا بالفرطوسي يرتجل البيت الثالث مخاطباً الحكيم:

لا تعجبوا قلم الحكيم بكفه

سيف على هام الطغاة تسلّقا

في هذه الأجواء نشأت وتربيت، حيث قيل أن من الصعب أن تجد عشرة في النجف يجتمعون وليس من بينهم تسعة منهم شعراء والعاشر ليس أدبيا، حتى أن احدهم دخل اختبارا في الجامعة وسألوه مسألة نحوية لم يستطع الإجابة عليها، فقالوا له: ”أنت من النجف والفلاح عندكم يتغنّى بألفية ابن مالك“.. لذلك ليس غريبا علي أن احفظ الكثير من أبيات الألفية عن ظهر قلب، وقد كنت أصرف من مصروفي اليومي 10 فلوس للمواصلات كي أدرس النحو على يدي أحد الاساتذة مقابل أن ادرّسه دروسا في الكيمياء والفيزياء وكان عمره 50 عاما ولديه طموح أن ينال شهادة الثانوية العامة الفرع العلمي، فكنت أذهب إليه وأدرسه الكيمياء والفيزياء والرياضيات ويدرسني شرح الألفية بالنحو.

ماذا بعد العودة إلى البلاد؟

حينما عدت الى البلاد التحقت بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وكان من زملائي الشاعر علي الدميني، وأسسنا جماعة شعر، وكان معنا الدكتور عدنان الشخص، وهدفنا هو الاهتمام بالحركة الثقافية والشعرية بالتحديد، وقد دعونا شاعرنا الكبير محمد العلي للإفتتاح، ومن خلال هذه الجماعة نشأت علاقة حميمة بين الشاعرين المبدعين علي الدميني ومحمد العلي، وكان يحضر معنا علي بافقيه من جدة، وغيرهم، وما ان انهيت الدراسة الجامعية في تخصص الهندسة المدنية توجهت الى العمل بالمقاولات، دون ان اتخلى عن هوايتي في الشعر والأدب.

ربما طرأ لدينا سؤال عن أول محاولة شعرية نظمتها كيف كانت وما هي الظروف، فقد سمعنا أنها كانت في رثاء دجاجة، فما قصة هذه الدجاجة؟

صحيح أن أو مقطوعة شعرية نظمتها وكان عمري 12 عاما في رثاء دجاجة، فقد قمت بتربية الدجاجة، وعرضت علي الوالدة مبلغا ماليا لشرائها، فرفضت، حتى ماتت من البرد ولم أكن أعلم، وحينما قلت لأمي برغبتي في بيعها، قالت: ”نحن لا نشتري الأجساد الميتة“ فقلت في الرثاء:

خسرت الربع والدرهم

خسرت الربح والمغنم

خسرت البيض غالية

فهمت ولم أعد أفهم

خسرت الكف يا ليلى

خسرت اليد يا مريم

خسرت الفن والأبداع

والإلهام بل أعظم

فيا عزاً به فخر

يعيد البؤس مستلهم

أأنسى ذلك المنقار

والوجه الذي برعم

أأنسى ذلك الصوت

المغني والهوى البلسم

فكيف البرد يصرعها

وكيف الموت لا يرحم

جميل جدا، رغم المدة الطويلة المليئة بالعطاء، لماذا لا نجد لك ديوانا أو أكثر؟

في الحقيقة حينما كنت اكتب الشعر ما كنت اجمعه وكان على نحو الهواية خصوصاً قبل التحاقي بملتقى ابن المقرب الأدبي، لكنّي في السنوات الأخيرة بدأت بجمعه، واتوقع أن ما لدي الآن يخرج ثلاثة دواوين، وأنا بصدد إصدارها.

عرف السيد هاشم الشخص برعايته لعدد من الأدباء والشعراء، ما الشيء الذي تتطلع إليه؟

أنا أدرك اهمية الكلمة كرسالة، واحتضاني وتشجيعي لبعض الأدباء والشعراء جاء من حبي لهذه المنطقة ولأهلها، وتكريمي لأي شاعر هو تكريم لهذا المجتمع وبالتالي هو تكريمي لنفسي حيث أن الانسان يرتقي من خلال أهله ومجتمعه، فالشعر الصادر من هذه المنطقة  بفضل الله ثم بفضل هذه الجهود التي تبذل هنا وهناك  صار شعرنا موجودا في العراق ولبنان وسوريا والمغرب العربي وكافة اقطار الخليج، ومصر فالكثير من الشعراء هناك يريدون الاطلاع على شعرنا، ويبدون إعجابا منقطع النظير. أنا أريد ان أقول كلمة شكر لرجل الأدب والشعر والفكر بأني أقدر وأحترم فيك هذه الموهبة، وأثمن فيك هذا الجهد، وأجد أن الداعم الحقيقي للشعراء هي الأندية الادبية التي ترعى الشعراء وتبرز إنتاجهم.. وفي هذا المجال لك أن تتصور أن شاعرا مثل ناجي حرابة الذي وقف على بيت للمتنبي وهو «أنا الذي نظر الأعمي إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم» ليؤلف ديوانا من 25 قصيدة كلها عن المتنبي، وهو بمثابة فهم جديد للمتنبي، وهذه عينة من شعرائنا الذين يستحقون التقدير والشكر والتشجيع، ولا يفوتني ذكر الأستاذ جاسم الصحيح والقائمة تطول.

اين السيد هاشم الشخص من العمل النثري؟

خلقت شاعرا، ولكن لدي اهتمام بالنثر إذا طلب مني ذلك، فبعض الاصدقاء يطلبون منّي تقديما لبعض إصداراتهم فأستجيب لذلك.

كيف تمكنت من حل المعادلة الصعبة، وهي الجمع بين الشعر وبين كونك رجل اعمال متخصص في المقاولات؟

الإنسان بحاجة الى الغذاء المادي، وكذلك الغذاء النفسي، فالشعر له موقع لا يغطيه غذاء مادي، فالأمور تقاس بحاجات الإنسان وأنا أقرض الشعر لأحيا كما آكل لأعيش، كما أن رجل الأعمال الناجح يحتاج لشيء من الشعر ليكون مبدعاً.

وهل أحد من الأولاد اقتبس شيئا من هذه الموهبة؟

لدي بنت تكتب خواطر راقية جدا، وقد طلبت منها أن تجمع ما تكتبه.. وابني سامر ايضا يتذوق الشعر، لكنه مقل في الإنتاج وباقي أبنائي يتذوقون الشعر.

وكيف هي علاقتك بالعراق في هذا الوقت، بعد كل تلك التقلبات؟

زرت العراق اكثر من مرة وقد القيت أبياتاً في النجف الأشرف بعد غياب 40 عاماً قلت بها:

عراق أنت في ثغري نشيدُ

ومجدك أوحد وتر فريدُ

ومن ذكراك أجلو ألف لحن

أغنيه فيسكرني القصيدُ

عراق الروح يا وطني المفدى

ويا نجفا به تثوي الجدودُ

أبي وادي الغري له دوي

بمسمعه وذاكرة حديدُ

وجدي هاهنا كانت مناه

وجاور حيدرا ذاك السعيدُ

كلانا عاد من رحم الليالي

ونالت من معاصمه القيودُ

وقد كنا إذا ما جل خطبٌ

وأورت زندها تلك الرعودُ

ركبناها فكنا في لظاها

نسوراً دون مرمانا البعيدُ

عشقتك بل عشقت دموع عيني

لدى لقياك إذ لقياك عيدُ

في الختام ماذا تحب أن تقول؟

أحيي هذه المجلة مجلة الخط وما تقوم به من جهود دون انقطاع وهذا عددها السابع والخمسون.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبد الله
[ سيهات ]: 23 / 11 / 2015م - 11:20 م
طبيتم وطاب اللقاء