آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

قيم خالدة

الحكم على مجتمع بالرشد أو الضحالة الفكرية والحضارية، من خلال ما يحمله من قيم وأعراف تأخذ بالناس نحو التكامل والوعي، أو تتسافل بهم نحو الضياع والانحلال والسوء المخيم على جميع مناحي حياتهم الاجتماعية والثقافية، إنها معادلة يمكن ملاحظتها بسهولة متى ما ألقيت نظرة فاحصة على أحوال الناس، فرأيت علائم العدالة وحفظ الحقوق أو انخرام قاعدة العدالة الاجتماعية وتسيد الاستبداد والقهر وانتهاب الحقوق.

البحث في تفاصيل وأحداث واقعة الطف ليس ترفا فكريا، يعاب على صاحبه ضياع الوقت بالنبش في أوراق التاريخ القديم، والتي لا صلة لها بحاضرنا أو لا جدوى من استحضارها واستدعاء شخوص بليت، فإذا كان هناك من حركة ثقافية فلتكن فيما يرسم مستقبلا زاهرا، تزخر فيه القيم والإضاءات الفكرية والسلوكية وفقا لأحدث الدراسات العلمية الرصينة، وإلا فإن العيش في الماضي والتقوقع حول واقعة - وإن كانت مؤلمة بكل ما تحمل كلمة الألم من معاني عاطفية حزينة - لن يغير شيئا في ذلك الحدث، ولذا فلننطلق في أفق الحاضر والمستقبل الذي يحتاج منا كل جهد ووقت بدلا من العبثيات والترفيات غير المجدية!

والحقيقة أن هذا الكلام صادر ممن لا دراية له بموقعية الإمام الحسين ، وأن ما دار في ذلك الزمان من اصطدام قيمي ما هو إلا حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وستتكرر الجولات ما بقي عنصر الأهواء في النفس البشرية، واستحضار ذلك الحدث ليس عبثيا بل هو عين البحث عن الحقيقة وطريق الهداية والاستقامة والنجاة، فنحن في حاضرنا ومستقبلنا نتجذر بتلك الأهداف السامية التي أبرزتها نهضة كافحت من أجل الكرامة الإنسانية وروتها بالدماء الزاكية في سبيل وعي وفهم بالحياة الكريمة التي أرادها الله عز وجل لنا.

وليس هو بعجز عن تحقيق إنجازات حاضرة، فنرتد في الماضي فنبحث فيه عن مجد معظمه ونجعله عنوانا لفخرنا واعتزازنا، بل هو ارتباط بماضي جميل يحمل بين طياته قيم نحن أحوج ما نكون إليها؛ لتكون قبس نور وهداية لنا في طريق الرضا الإلهي، بكل ما تحمله من قيم فكرية وروحية وأخلاقية تسمو بالإنسان لأعلى درجات الكمال والتحلي بالفضائل.

العيش الخسيس: ما آلم قلب الإمام الحسين هو الحال السيء والعيش الرديء الذي وصل إليه الناس، فقد مالت بهم الأهواء نحو احتضان زخارف الدنيا واللهث خلفها، والانغماس في طلب الشهوات، بصورة أفرغت الدين عندهم من مضامينه وقيمه، فكانت نهضته حدثا هز الناس وأيقظ ضمائرهم، وما يدل على ذلك هو الثورات المتتابعة بعد استشهاده.