آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحصانة الفكرية

يحب الإنسان أن يظهر في علاقاته وجلساته كصاحب شخصية لها موقعيتها وجاذبيتها واحترامها، فالعيش على هامش الحياة وبعيدا عن زوايا عيون الترقب لمواقفه الكاشفة عن مكنونه، لا يرغب يوما في الحلول فيه بأن يكون عنصرا تكميليا فقط، بل له الرغبة بأن يحيط نفسه بهالة الإعجاب به من خلال ما يلحظه أصحابه من فكر ناضج ينضح بالتصورات المتكاملة والمعالجات القيمة للأحداث، فيضع مرئياته لأي مشكلة يواجهها وقد تداعت لها العقول النيرة لمعالجتها بعد أن تعسرت لها المخارج.

فتقدير شخصيته لم يأت من فراغ أو مجاملات مقيتة، بل هي نتاج تجارب ومواقف أثبتت له مصداقية ووجودا لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.

وهذه الصورة الناصعة له لا تعني أن يكون صاحب الرأي الأوحد الذي لا يخطئ، بل هو صاحب وعي وتفكير متوقد في أطروحته ومقاربته لمستعصيات الأزمات، ويظهر من عرضه لرأيه تحليلا يستند على وقائع وأدلة لا تخضع للأهواء أو العاطفة العمياء، فمن يستمع له يشعر وكأنه في سياحة فكرية يتنقل فيها بين بساتين المعرفة، وينعم بخبرة مكتسبة وهي مهارات مواجهة الصعاب.

وليس بمقياس على صلابة وتماسك وجهات نظره أن يتم التسليم لها تماما من قبل الآخرين دون مناقشة وإبداء ردود تدحضها، بل هي كقطرات السحاب تنهمر بعدها زخات قوية ومتعددة المصادر، فكل من يحضر يدلي بعصارات ذهنية لامعة تحرك جو الحوار والنقاش المعطاء، ليحصل الجميع في النهاية على خلاصات قد اعتركتها وأخضعتها العقول النيرة للتمحيص والتدقيق، فتقدم على شكل قواعد وثمار متدلية يقطفها طلاب الحقائق والبصائر.

لا توجد هناك أي حصانة لأي فكرة تطرح، بل هي من تحمي نفسها وتأخذ لها موقعا ومكانة، بما تكتنفه من طرح جيد يثبت له أقداما على أرض الوقائع والأطروحات البرهانية، ففي الحقيقة أن الفكرة الصائبة والقوية هي من تحمي نفسها، فلا تحتاج إلى انفعالات وصراخ صاحبها كنوع من التحصينات الدفاعية لها، فالفكرة المهلهلة لن تصمد أمام رياح التعمقات والحصافات الفكرية الواعية، وما يبان ضعفه أو الخلل فيه ينبغي معالجته بالتغيير والإصلاح وليس بالتعنت والتعصب للرأي.