آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 11:53 ص

فتِّش عن الرايات السود

أحمد المحيسن

مدخل:

يقول الكاتب قينان الغامدي:

«داعش معششة في كل بيت وفي معظم العقول والنفوس. والدولة وصاحب القرار لم يعطوا الأمر ما يستحقه من اهتمام. ومعظم أفراد الهيئة خاصةً فكرهم داعشي».

هنا انتهت التغريدة التي أثارت الجدل وردود فعل ذهب بعضها لاتهام الكاتب بالتصيد في وحل التطرف الإسلامي، لينتقد بعض مؤسسات وهيئات الدولة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رغم وصف الأخيرة لأعضاء التنظيم بالخوارج. البعض الآخر من المتابعين أيد الوصف المجازي للكاتب، فالفكر المتطرف وكما أشار الكاتب منتشر بين فئات المجتمع السعودي ولاسيما الشباب. فعلى سبيل المثال، كلما داهمت قوات الأمن مدينة العوامية، لن تألوا جهدا لتكتشف الحقيقة القبيحة في كون التطرف قاعدة سائدة عند شبابنا والشاذ هو ذلك المعتدل والحيادي الذي ينظر للأمور بمنظور العقل والتعايش السلمي. فترى تعليقات تحث الدولة على إبادة المدينة بمن فيها، وترى أخرى تعترض على مبدأ الإبادة كونها تراه عقابا مخففا، ففي نظرهم يجب أن يخنق السكان بغازات سامة ثم يموتوا بعد معاناة من العوارض الجانبية نتيجة استنشاق السموم. لا بل وصل الحال في البعض لاقتراح أن يستدعى بعض المتطرفين في دول التوتر إلى تلك المدينة لكي «يأدبوا أهلها» كما أدعوا!

قد يظن من قرأ التعليقات السابقة من التشفي والعنصرية أنها صدرت من أناس لا ناقة لهم ولا جمل في التأثير على الرأي العام، وصوتهم إن بلغ مداه فلن يتعدى بضع تغريدات في تويتر وعبث غير مؤثر في فيسبوك، ولكن القارئ حتما سيصاب بالدهشة حينما يتبين له أن بعض التغريدات السابقة صدرت من كتاب رأي ومثقفين يكتبون في الصحف اليومية الصادرة في السعودية، وقد وجدوا من منصات التواصل الاجتماعي مكانا لبث سمومهم الطائفية دون رقيب.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في مثل هكذا مواقف مخزية: ماذا سيكون ردة فعل الفئة ذات الثقافة الضحلة والفكر السطحي في المجتمع إذا كانت النخبة منه ذات رأي متطرف وطائفي؟! وكرة التساؤل الأخير تتدحرج أيضا لتصيب هدفا في مرمى منابر الخطباء والمشايخ الكبار. ماذا تقدم خطبة الجمعة من الحرم المكي؟! هل من أدوات تخدم الطائفية أفضل من شيخ معفي اللحية، يتابعه الملايين على تويتر، ويغرد مكفرا طائفة من المسلمين؟! وهل تتطلب عملية غسيل دماغ النشء وزرع الحقد أكثر من كتاب مدرسي يكفر ويوصف أعمال طائفة من المسلمين بالشركيات؟!

وأخيرا وليس آخرا، هل من مشروع تكفيري يستخدم قنوات فضائية مقرها الرئيسي في العاصمة، تكفر على مدار اليوم الشيعة، أفضل من مشروع يستخدم وصال وصفا وغيرها من قنوات فتنوية؟! إذا التحريض ينبع من مؤسسات مرخصة، كوزارة التعليم التي سمحت بتدريس كتب محرضة! عندما يتعلم الطالب من صغره أن المشركين يجب أن يقتلوا، ثم يوصف أناس بعينهم أنهم مشركين، فأليس هذا بتحريض. ولوزارة الإعلام أيضا الجانب الأكبر في عملية التحريض. فالقنوات الفضائية، والمعرفات الطائفية لن تبقي وتذر من لحمة شعبية مادام صوتها ينعق دون رقيب. وزارة الإعلام، وفي ظل ثورة شبكات التواصل، تبقى هي الاعب الأكبر في إشعال أو خمد نار الطائفية المقيتة.

فعلى سبيل المثال، تغريدة واحدة من شخصية يتبعها الملايين في تويتر بإمكانها تشكيل رأي عام، وتثبيت فكرة ما لدى المتابعين.

الحلول تمتد أيضا لتشمل مؤسسات الدولة كمجلس الشورى الذي لم يصوت لصالح مشروع الوحدة الوطنية. فالمجلس وإن لم تكن له سلطة تنفيذية، كان حريا به، وهو الذي يضم أفرادا من الدكاترة والمفكرين، أن يغلب مصلحة وطنية كبرى تتمثل في إقرار المشروع، خصوصا وأنه يأتي في مرحلة حساسة، نزفت خلالها دماء وطنية، لفت جثامين بعض أفرادها بالعلم الأخضر.

ختاماً، البعض يرى أن موضوع نقد مصادر الإرهاب وأسبابه قد استهلك وأشبع طرحاً، ولكن السؤال هنا، هل ثمة تغيير حصل في مرحلة ما قبل الإرهاب «مؤخرا» وما بعده؟! لا، طبعا! فالتحريض ذات التحريض، بل هو في ازدياد دون تجريم صريح. فحوادث مثل ترهيب راكب سيارة أجرة، وغيرها، هي دليل على تنامي الفكر الإرهابي. لذلك يجب تذكير صاحب القرار لعله يعقل بأهمية المرحلة وضرورة سن قوانين تجرم التحريض المقيت، مما سيساعد في مكافحة فكر الإرهاب النتن. وذلك سيؤدي لنقض الفكرة التي أطلقها الكاتب قينان «شيوع الفكر الداعشي في المجتمع».