آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

انتصار الحق‎

قال تعالى:﴿و قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا «سورة الإسراء الآية 81».

الحياة حركة صراع بين القيم والأسس الأخلاقية التي تهذب النفس وتربيها على معالي الفضائل، وبين الآثار السلبية لاتباع الهوى والانغرار بالصورة المادية للدنيا، فالباطل هو تلك الرذائل التي تردي المرء في هاوية الهلاك وخسران النفس.

فالفساد وانتشار الموبقات واستحكام قوى الشر والعدوان وتداول الفواحش تحرز الغلبة والانتصار الوهمي، ما وجد ذلك الإنسان الضعيف نفسيا والذي ينقاد بسهولة للشهوات وعالم الانحلال؛ لتخيم على المجتمع صورة مزرية وهي نتاج شقوة النفس البشرية واستمرائها للشهوات وأمانيها الباطلة.

وطريق الخير والصلاح والفضيلة واحترام الحقوق وانبساط دعائم العدالة الاجتماعية هو المنتصر الحقيقي، وذلك أن جولة التراجع والضعف وغياب الكمالات الإنسانية ما هي إلا مرحلة غفلة وشقوة سرعان ما تنجاب أمام قوة الحق، وذلك أن الحق يستمد وجوده فكريا وسلوكيا من استشعر الإنسان لقيمته - بما يحقق ذاته - وهو الكرامة والاستقامة، وأما الباطل فجولاته قصيرة تمتد ما انسلخت النفس عن التعقل وتلبست التفلت وحياة الغرائز البهيمية.

حقيقتهما: الحق هو استمكان المعايير والمباديء من فكر الإنسان، لتغدو حياته جميلة ويهنأ فيها ويتحلى بالراحة النفسية واستشعار السعادة، بفضل ما تتوفر عنده من رؤية واضحة لعواقب ونتائج الفضيلة والالتزام القيمي على حياة الفرد والمجتمع.

بينما الباطل لا يعني في وجوده إلا حالة الشقاء والضياع البشري، فيلجأ المرء إلى كل ما هو مستقبح ومستهجن بين العقلاء من الأساليب الملتوية والمخادعة في سبيل تحصيل نزواته ومآربه، وهذا سر الضعف النفسي لأهل الباطل مهما ظهر منهم من استعراض للعضلات والقوة الوهمية، فهو انتفاخ للذات لا واقع له، وسرعان ما يرحل متى ما شمر أهل الخير والصلاح عن سواعد العمل ونشر الوعي وتبيان الحقائق والمفاهيم لعامة الناس.

وانتساب المصلح واستناده في حركته المعرفية والسلوكية للحق تعالى هو سر القوة التي تخفى معالمها وأسبابها على أهل الباطل والجور، وذلك أن المؤمن يحمل عقيدة تتضمن الثقة والرضا بقضاء الله تعالى وجريان الأمور وفق المشيئة والحكمة الإلهية، فأساليب البطش والتنكيل والأذى الجسدي والنفسي لا تجدي نفعا مع أنصار الحق ولا تثنيهم عن إكمال طريقهم في بسط حاكمية الفضيلة والصلاح.

إن المعركة القائمة بين الحق والباطل تتخذ منحى الجولات المتتالية، وهي بالونات اختبار لقوة الحق في نفس المؤمن واستحكامها في جميع أبعاد حياته، فطبيعة الباطل الضعف واستخدام القوة المفرطة وهو مداراة لعجزهم وحماية لمصالحهم الشيطانية، والانتصار الحقيقي يتحقق عندما يتحلى المؤمن بالصبر وسعة الصدر، فقدرته على تحمل الأذى والشدائد هو ما يحرك مسار المعركة نحو الظفر والفوز واندحار الباطل، ويطول سواد الباطل والفساد - في أحد أسبابه - بسبب تخاذل أهل الحق وضعف إرادتهم عن المواجهة والتحدي، فيتسلل إلى نفوسهم اليأس، ومتى ما كان الأمل يحذوهم برؤية راية الحق خفاقة فلابد أن تتكسر على جنبات طريقهم قوى الشر المندحرة، ويسجل التاريخ جولة انتصار مهمة للحق.

للباطل بريق يبهر عيون الضعفاء ويستزل إراداتهم ويكسرها، ويعمي بصائرهم عن رؤية معالم طريق الحق وأهله، ولكن تلك مرحلة تضمحل وتتلاشى بفعل قوة نور الحق الساطع، فتختفي علائم الباطل والشهوات المستعرة.

وليتحل أهل الحق بتوطين النفس على الصعاب ومواجهة الباطل مهما انتفشت قواه الزائلة، فإن الطمأنينة بوقوع النصر مهما طال هو ما يكسبهم الصمود في جبهات مواجهة المستكبرين وأهل الضلال والفساد، فإن الباطل لا يصمد أمام قوة الحق.