آخر تحديث: 23 / 6 / 2017م - 3:47 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عبدالعلي آل سيف: درست في الكتاتيب وشهدت أول مدرسة ابتدائية في تاروت

جهينة الإخبارية حوار: سلمان العيد - مجلة الخط 58
  • رجولة مبكرة اكتسبتها من والدي وخالي الحاج محمد تقي
  • ارتبطت بالحياة العلمية والعملية ولمّا ابلغ العشرين
  • هاجرت الى العراق للدراسة الدينية ورجعت بشهادة جامعية في الشريعة واللغة العربية
  • القبانجي والخال محمد تقي ووالدتي والشيخ الفضلي ابرز من شجعوني على طلب العلم
  • أردت أن أكون خطيبا لكن والدتي رفضت فاستجبت لها
  • قابلت السيد الحكيم وأنا صغير فأثار استغرابي سؤاله عن شخصيات كبيرة في تاروت
  • مارست الكتابة مبكرا واصدرت كتابا وانا في المرحلة الثانوية
  • بحوثي في كلية الفقه تحوّلت الى كتب مطبوعة.. وبعضها ”ضاع ولم يعد“
  • ابتعدت عن الوضع الداخلي في العراق، لكن قرارات عبدالكريم قاسم خدمت المذهب
  • 40   مرجعا ظهروا على الساحة بعد أيام من وفاة السيد الحكيم
  • التحقت بالعمل الحكومي في السعودية وتفرغت للمحاماة وتابعت عددا من الملفات
  • أنصح الجيل الناشئ بالعلم ومعرفة فنون إدارة الحياة

الحاج عبد العلي بن يوسف بن الشيخ سلمان آل سيف، اسم عرفه أبناء الجيل الناشيء في القطيف «تحديدا أبناء جزيرة تاروت» ، بأنه رجل أعمال يزاول مهنة المحاماة والتجارة، بيد أن الجيل المثقف، ومن لديه متابعة ولو قليلة بشؤون الأدب والشعر بالمحافظة يدرك جيدا قيمة هذا الرجل، وقيمة عطائه، وذلك من خلال العدد القليل من الإصدارات التي أعدها هذا الرجل، فهي قليلة في العدد لكنها كبيرة في المضمون، وفريدة في الطرح والإسلوب، منها كتاب «طرفة بن العبد» هذا الشاعر الجاهلي الفذ، وكتاب «القطيف وأضواء على شعرها المعاصر» ، الذي اعتبر في وقت ما أفضل ما كتب عن القطيف، ومنها «فقه الخمس» الذي يعرض بالأدلة أصالة فريضة الخمس لدى كافة المذاهب الإسلامية.

ولعل الذي لا يعلمه الكثير حتى من هم قريبون من هذه الشخصية أن وراء هذا التميز تجربة ”قاسية“ تتمثل في الغربة والفقر وضيق ذات اليد، رغم أنه من أسرة عرفت بالكرم والثراء المادي..

في هذا اللقاء نقف على بعض الجوانب من شخصية الكاتب والشيخ والمحامي عبدالعلي آل سيف.

الحاج عبدالعلي آل

بداية من يكون عبدالعلي ال سيف؟

انا عبدالعلي بن يوسف بن سلمان آل سيف، من مواليد جزيرة تاروت، التي بها عشت وتربيت، وقضيت سنواتي الأولى، وتغربت عنها فترة لا بأس بها وعدت لها وأنا ما زلت فيها.. كانت دراستي الأولى في الكتاتيب على يد الملا حسن الطويل، والملا عبدالكريم الطويل، وأم السادة، وشهدت أول مدرسة ابتدائية افتتحت في تاروت في منزل الشيخ على بن حسان بالديرة عام 1373 هـ ج، وكان بها ثلاثة صفوف، تم توزيع الطلبة عليها حسب السن، فالبعض كان يتقن القراءة والكتابة، ولذلك كان يتم نقله للصفوف المتقدمة، بعدها انتقلنا إلى مدرسة حكومية رسمية يقال لها ”مدرسة الغالي“ ، على الطريق المؤدي إلى المقبرة، وأنهيت بها الدراسة الابتدائية، ثم انتقلت إلى الدراسة المتوسطة بمدرسة الدبابية المتوسطة.. وفي الحقيقة إن تربيتي في العائلة «الوالد والوالدة والخال الحاج محمد تقي» منحتني رجولة مبكرة، فإذا ما سافر الوالد كنت أتولى مهامه في مجلس الجد «رحمه الله» وأستقبل الضيوف وأغلبهم من كبار البلاد مثل الحاج عبدالله المعلم، والحاج حسن بن منصور، والملا صالح والملا الصايغ «وآخرون كانوا يداومون على حضور المجلس» ، وذات مرة كنت اشاركهم في الحديث فمالوا عنّي ولم يعيروا رأيي شيئا، فانتقدتهم وعمري حينها 14 عاما، كما أن خالي الحاج محمد تقي دفعني إلى العمل، فكنت أعمل في وقت الصيف «في فترة العطلة المدرسية» بالفرن برحيمة وكانت مداومتي في فترات الليل، كما عملت في مشروع الدواجن في صفوى، و كنت قبل ذلك بسنوات أبيع بعض المأكولات أمام البيت، كانت تعدّها لي والدتي وكان حينها عمري 7 سنوات، فكنت أزاول التجارة وعمري صغير.. وخلال دراستي في المرحلة المتوسطة «في السنتين الثانية والثالثة» ، كنت أذهب الى القطيف بالدراجة العادية، وفي الطريق تارة أحملها وتارة تحملني، لأني أمر بمنطقة يقال لها ”الرباط“ وهي منطقة تكثر فيها الممرات المائية «الخيران».. وبعد اكمالي الثالث المتوسط في العام 1383 انتقلت الى العراق بغرض الدراسة الدينية، وهناك انهيت المرحلة الثانوية، وحصلت على درجة البكالريوس من كلية الفقه، والغربة بحد ذاتها تجربة ومعاناة.

الحاج عبدالعلي آل

وقبل الدخول في التفاصيل، خصوصا مرحلة العراق التي كما يبدو هي مرحلة غنية نتساءل كيف طرأت عليك فكرة الدراسة الدينية؟

في الواقع وكما تعلم إنني من عائلة علمية عرفت بعلاقاتها برجال الدين، فكان السيد حسن القبانجي قد استقدمه الخال محمد تقي رحمه الله للقراءة شهر محرم 1383 هـ ج، فاقترح علي أن اذهب الى الدراسة الدينية، وكلّمت الوالدة يرحمها الله، والخال الذي كان محبا للعلم والعلماء وهو الذي أوصلني الى العراق، وهناك قابلت السيد محسن الحكيم، الذي لفت نظري في أول لقاء حينما كان يسألني عن اشخاص من كبار الشخصيات في تاروت، من آل الخباز، وآل المعلم ، وآل السيف وغيرهم وكانت لديه معرفة تفصيلية عنهم وعن أوضاعهم.. وكان هدفي الأول هو الدراسة الدينية وهذا ما تم بالفعل إذ كنت أدرس المقدمات في المسجد الهندي، وكان المرحوم الشيخ عبدالهادي الفضلي يتابع أوضاع الطلبة من القطيف والبحرين والاحساء لأنه أصلا من الاحساء، وذات يوم اقترح علي أن أواصل الدراسة في المرحلة الثانوية، وهذا ما فعلته فحصلت على الثانوية في الليل، وفي الصباح كنت أتابع دراستي في العلوم الشرعية، وحصلت على الشهادة الثانوية «أو ما يطلق عليها حينها درجة البكالوريا» ، ثم انتقلت إلى كلية الفقه، وكانت الدراسة في هذه الكلية غزيرة يدرس فيها الطالب طوال سني دراسته الأربع ما يقارب 35 مادة من فقه، وأصول، ومنطق، وفلسفة، وتفسير، ودراية، وعلم اجتماع، وقانون، فضلا عن اللغة العربية وفروعها واللغة الإنجليزية، والتربية، وطرق التدريس... الخ وكانت تقوم بطلب بحث في أي مادة من مواد الدراسة، ففي أربع سنوات، ينجز الطالب في كل سنة بحثا، ولدي عدد من البحوث التي أنجزتها خلال فترة الدراسة وتمت طباعتها فيما بعد وهي «فقه الخمس، وطرفة بن العبد، والقطيف وأضواء على شعرها المعاصر» ، وكان لي بحث عن الخلق، بقي مخطوطا، «وضاع ضمن عدد من المخطوطات والكتب» ، ومن خلال البحث تجد حديثا عن الخلق بالتكاثر وتطوره فكان المفسرون عندنا لهم رأي في التكاثر والتطور قبل نظرية دارون في الخلق تعتمد على انقسام الخلية، وبعدها حصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الاسلامية، وقد تمت معادلتها في السعودية بشهادة الشريعة، وهذا ما أتاح لي فرصة العمل في وزارة العمل كمحقق قانوني، وكذلك العمل في المحاماة بعد ترك العمل في الحكومة.

الحاج عبدالعلي آل

على ضوء بعض ما ورد في كتبكم، وما كتب في سيرتكم الذاتية، أن الحياة العملية أخذتكم من الكتابة والتأليف، حتى أن المؤرخ محمد سعيد المسلم كان يتمنى الاّ تطول اقامتكم في الأعمال التجارية، وكما ورد في مقدمة كتاب طرفة بن العبد من أن الكتاب كاد أن ينقرض ويضيع مثل كتاب «الخلق» الذي تحدثت عنه.. ما قصة هذه المواقف، ولماذا هذا النزيف من الخسائر؟

لم أترك الكتابة نهائيا ولكن تركت التفرغ لها فقد كانت هناك مساهمات مختلفة سيضمّها كتاب لي سيطبع انشاء الله فور انهاء مراجعته، وأوفق لترخيصه من وزارة الإعلام، كما قمت بتحقيق رسالتين للشيخ عبدالله المعتوق، حصلت عليهما من أبي محمد حسن الدرويش رحمه الله، وكان قد حصل عليهما من أحد الإخوة الاحسائيين الأولى: تحقيق إجازة رواية الى الشيخ الميرزا حسن رحمه الله، والثانية «رسالة في الشكوك» ، والتحقيقان نشرا في مجلة الواحة، كذلك لدي كتاب تحقيق لقصيدة الشيخ احمد ابن المتوج رحمه الله الذي تحكي انتقام المختار الثقفي من قاتلي الإمام الحسين عليه السلام، كما أن بعض الكتب أعدت كتابتها من جديد بعد عودتي من العراق، وهي الكتب التي طبعت، كما أعدت مؤخرا كتاب «المجتمع وجهاز الحكم عند الامام علي عليه السلام» ، وهو كتاب طبع لي وأنا على مقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية.. وأما قصة كتاب «طرفة بن العبد» وكما وردت في مقدمة الكتاب فقد طلب أستاذ الادب من الطلاب البحث المفروض أن اقدمه للسنة الأولى في الكلية، فاقترح علي استاذي الفضلي أن اختار احد شعراء المنطقة من العصر الجاهلي فاخترته، وبعد عودتي راجعته وأخرجته بالصورة التي طبع عليها. الخلاصة اني مارست الكتابة مبكرا، وأصدرت كتابا وأنا على مقاعد الدراسة الثانوية، والله الموفق لكل شيء.

الحاج عبدالعلي آل

حينما هاجرت إلى النجف، وقد كنت صغيرا في السن، كيف كان وضع النجف في ذلك الوقت؟

النجف في الحقيقة كانت حينذاك قبلة العالم، كانت في قمة النشاط العلمي والثقافي والأدبي، حينما قصدتها في حكم عبدالسلام عارف الذي بقي لفترة وتوفي بسقوط الطائرة، ثم خلفه عبدالرحمن عارف، وكان درويشا بمعنى أنه كان يتجنب المشاكل مع المواطنين والأحزاب، وهو لم يبق في الحكم فترة طويلة، وكان قبلهما عبدالكريم قاسم الذي وضع جملة من الإجراءات التي كانت جيدة للشيعة وللمذهب الشيعي، منها السماح بإنشاء كلية الفقه، وكانت الدفعة الأولى من طلبة العلوم الحوزية، كما أجرى لمجموعة من طلاب الحوزة النابهين المتقدمبن في التحصيل امتحان تقويم وتمت معادلته بالثانوية، وتم التحاقهم بها وهم الصف الأول من العلماء والخطباء والشعراء الذين قادوا النهضة الفكرية والأدبية والعلمية بالنجف إلى جانب المراجع رحمهم الله جميعا، وكذلك سمح بإنشاء كلية أصول الدين ببغداد، وأعفى طلبة العلوم الدينية من التجنيد، فزاد عدد الطلبة ممن لا يرغبون في الالتحاق بالجيش، واختار مجموعة من مدرّسي وطلبة العلم وأجرى لهم بعض الاختبارات الأولية لتقويمهم علميا وإدخلوا دورة تربية وألحقهم بالمدارس النظامية كمعلمين، وهذا ما جعلهم يساهمون في تقويم الطلبة وإبعادهم عن الأفكار اليسارية المنتشرة في ذلك الوقت، فكانت هذه الاجراءات قد ساهمت في جعل النجف وكربلاء والكاظمية منارات للثقافة والعلم والمعرفة والأدب.

 الحاج عبدالعلي آل

ماذا عن الفعاليات الكثيرة التي كانت النجف تزخر بها، والتي صارت في خبر كان، وكيف كان تأثيرها على شخصكم الكريم؟

كان مولد الإمام علي عليه السلام يقام في كربلاء المقدسة، ومولد الإمام الحسين عليه السلام يقام في النجف الأشرف «مع استمرار المناسبات الدينية في المدينتين المقدستين طوال العام» ، وكان كل احتفال بمثابة مظاهرة يطلب من الشعراء من شتى الأقطار العربية أن تشارك فيها، وصدرت من هذه المناسبات كتب ودراسات.. وبالنسبة لي وأبناء جيلي فقد كنّا صغارا نقّلد الكبار، فكثرت الندوات والأنشطة، فنحن بدورنا قمنا وفعلنا كما يفعل الكبار، فقمت مع بعض الزملاء بتأسيس الندوة الأدبية الإسلامية، وكان معي عدد من الفضلاء وهم الشيخ حسين العمران، والسيد محمد علي الخراسان، والشيخ عبدالزهراء الطائي، والسيد عبد الرزاق المقرّم، والسيد هاشم الهاشمي وغيرهم، فأصدرنا مجلة كنّا نكتبها بأيدينا ولازلت محتفظا بها.. وربما فترة الصراع مع الشيوعية على ضوء فتوى السيد الحكيم «الشيوعية كفر وإلحاد» ، كانت أهم عوامل الحراك الذي شهدته النجف ومن أبرز معالمه انفتاح القرائح والعقول والمطابع، لعلي اتذكر عام 1967 ركبت السيارة لحضور مناسبة عن الغدير في أبو صخير «منطقة على طريق الديوانية» مع باقي طلبة ثانوية منتدى النشر وهي المدرسة التي أكملت فيها الثانوية، وحدث لي شيء داخلي أرجعني إلى المنزل إذا بزوجتي في حالة مخاض بأحد ابنائي الثلاثة الذين ولدوا في العراق، وأنا بدوري قد استفدت من هذا الحضور، وكوّنت لي منظومة من العلاقة افادتني كثيرا في حياتي العملية، وكان الشيخ عبدالهادي الفضلي يرحمه الله يولي عناية فائقة بطلبته، ويشجعهم ويدعمهم ويوفر لهم ما يريدون من مصادر لبحوثهم، كان يرشدنا في الحقيقة الى مفردات البحث، وكنت مع جملة من الزملاء استفدنا كثيرا من توجيهات وعناية الشيخ الفضلي.. ومن معالم تلك الفترة أنها فترة النهوض المرجعي أو الحراك المرجعي، فبعد انتقال السيد الحكيم إلى رحمة الله استمرت مراسم الفاتحة 40 يوما، كانت تشهد إصدار ما معدله رسالة عملية يوميا، فالكل جرّب حظه، لأنه كما هو معروف ان كل مجتهد له مجلس فتيا تتألف من عدد من المجتهدين يعرفون دروسه ويعرفون مناحيه في الاجتهاد، هؤلاء يخرجون لمجرد أن تتاح لهم الفرصة، وفي تلك الفترة ظهر أكابر خطباء الشيعة مثل الوائلي والمالكي والقبانجي والقزويني.

الحاج عبدالعلي آل

هذا الوضع يحيلنا إلى موضوع هام في تلك الفترة، وهي فترة الصراع بين الحكومة البعثية والتيارات الحركية الشيعية مثل حزب الدعوة الاسلامية، وكذلك فترة قوة حزب البعث.. كيف كان الوضع حينها؟

رغم بعدي التام عن المسائل السياسية الداخلية في العراق، لكن الوضع كان واضحا لدينا، أن تلك الفترة كانت فترة صدام بين الحكومة العراقية البعثية مع كافة عناصر حزب الدعوة الاسلامية، والكثير منهم كانوا طلبة ممن فرّوا من التجنيد ولبسوا العمائم، وقد عانوا كثيرا من التهجير والمطاردة التي طالتهم، فقد ذهب العشرات منهم إلى الخارج، والكثير من الطلبة الخليجيين ذهبوا إلى قم، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران باتت قم مقر الحوزة العلمية الأولى.

على الصعيد الشخصي كيف كان الوضع على الصعيد المادي؟

كان الوضع قاسيا جدا، فأنا حينما كنت أدرس ليلا المرحلة الثانوية كنت متزوجا ولدي ولدي احمد ثم ابنتي كوثر، وفي الصف الثاني من الكلية جاء ابني الثالث ياسر، وكان النظام في الحوزة هو صرف 3 دنانير شهريا و90 رغيف خبز شهريا للطالب الأعزب، و5 دنانير و 150 رغيفا للطالب المتزوج بغض النظر عن عدد أولاده، وأتذكر أن ابني البكر احمد اصيب بالتهاب حاد في اللوزتين لم تنفع معه كافة المضادات الحيوية، فصارت لديه ديدان في البطن، حتى شك الأطباء بإصابته بالسل، رجعت به البلاد وعالجته في البحرين «قبل افتتاح الجسر» ، وبعد ذلك اجريت له عملية استئصال للوزتين.. وكانت الظروف صعبة للغاية، فقد كنت أصوم وأصلي بأجرة وأقوم بالحج نيابة، حتى أن أول مرة احج فيها لم تكن لي وإنما كانت نيابة عن غيري، كما كنت ازور السيدة زينب والامام الرضا والسيدة المعصومة نيابة توفيرا لأسباب المعيشة، وكم أنا شاكر للشيخ الفضلي بأن دفعني لدراسة الثانوية والالتحاق بالكلية، وقد ساهم هذا الأمر من تحسين وضعي المادي.. وقد تستغرب أن بيتنا يزورني فيه من اعرف ومن له علاقة بالبلد أو الاسرة وكنت استضيفهم، فخمسة دنانير تذهب في وجبة غذاء، لنقضي باقي الشهر بما يتيسر، ويحدث أن أوفر شيئا من مصروفي وأشتري الكتب والإصدارات الجديدة من المصادر والمراجع، ثم أبيعها لأسدد قيمة الإيجار، ثم أشتري غيرها وكانت اخر مرة بعت فيها كتبي يوم نزلت بعد تخرجي لبعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى.

الحاج عبدالعلي آل

ألم تفكر أن تكون خطيبا، أو شاعرا في تلك الفترة؟

فكرت في وقت ما، ولكن الوالدة أرادت لي أن أكون مجتهدا ومرجعا ومنعتني بعد أن كنت تدربت على يد الشيخ عبد الله سمين رحمة الله عليه.. وأما الشعر فلم أقبل عليه، وأقبلت على قراءته وتذوق معانيه، وقدّر الله ما شاء فعل، فقد عدت حاملا شهادة تعادل الشريعة، وكنت أريد أن أكون مدرسا في المرحلة الثانوية لكن الوظائف المتاحة من قبل ديوان الخدمة المدنية هي وظائف قانونية فالتحقت بها، فصرت محققا قانونيا بوزارة العمل، وبعد عشر سنوات من العمل تفرغت الى المحاماة والعمل الحر وذلك في العام 1403

على ضوء السيرة الذاتية، وبعض مقدمات الكتب، ان كل كتاب اصدرته وراءه قصة معينة، فما هي القصص الكامنة وراء كتاب «القطيف واضواء على شعرها المعاصر» ، و «طرفة بن العبد» ، و «فقه الخمس» وغير ذلك، ولماذا توقفت عن العطاء الكتابي والأدبي؟

ذكرت سابقا دوافعي الى الكتابة عن طرفة بن العبد، أما كتاب «الخمس في الشريعة الإسلامية» الذي طبع تحت اسم «فقه الخمس» كنّا في درس للفقه فكانت مداخلة من بعض الطلاب العلمانيين نحو الاستاذ مفادها ”انتم تتحدثون عن الخمس، فأين الخمس عند المسلمين، هل المسلمون الشيعة فقط؟ “ ، فكتبت البحث ردا عليه وبقي ناقصا، حتى عدت عليه وأكملته والحمد لله طبع وترجم الى اللغة الأندونيسية، اما كتاب «القطيف وأضواء على شعرها المعاصر» فكان بحث التخرج تقدمت بمشروعه الى الدكتور عبد الرزاق محيي الدين كانت عندي مادة من بحثي السابق طرفة بن العبد واحتجت الى المزيد من المادة فنزلت الى البلد وطلبت من السيد محمد العوامي رحمة الله عليه المعونة فهيأ لي لقاءات مع الحاج مهدي بن حسين الفرج والحاج حسن الزاهر والحاج باقر الزاهر والسيد حسين العوامي، وكانو ثقاة الحكومة وأرامكو في علمهم بالأراضي القديمة الاثرية والحدود والحيازات فجمعت مادة ممتازة ورجعت الى الكتب التي كتبت عن القطيف وشعرها وتاريخها فكان البحث المطبوع وقد كرمته وزارة الاعلام باعتبارها أفضل ما كتب عن القطيف.

حينما رجعت الى البلاد، وقد كنت قادما من العراق، بلاد النخبة والثقافة والعلم والأدب، ألم تشعر بشيء من الغربة في البلاد؟
الحاج عبدالعلي آل

شعرت بشيء من ذلك، كوني عشت هناك مع كبار، وحينما جئت كان منزل والدي يرحمه الله متواضعا، فقال لي احمد بن الشيخ محمد صالح المبارك رحمة الله عليهما بأني سوف أضيع في تاروت، فاستأجر لي منزلا في البستان في القطيف وكان وقفا بيد الحاج سعيد بن فخر رحمه الله وقد قام بتأثيثه، وقد جئت من العراق مفردا، وذهب أخي ابوهاني وجلب الزوجة والأولاد، وفي يوم وأنا أهم بالخروج من المنزل إذا بالحاج عبدالله الصادق «ابو عبدالسلام» واقف أمامي، وهو يسألني عن أحوالي، وقلت له بأنني سوف أذهب إلى القطيف، إذا به يقول لي هذا الأمر ما يصير لو على جثتي"، وكان كل من الحاج على المعلم والحاج جعفر الصفار يسمعون الحوار، حينها لم يكن منّي إلا أن بقيت في تاروت استجابة إلى هذا الرجل الفاضل يرحمه الله، فقد قال لي ما لم يقله اقرب المقربين مني.

ماذا كان اتجاهك بعد العودة الى البلاد والانتهاء من العمل الرسمي؟

لم أنس الأعمال العامة، فكان أول مبادرة قمت مع عدد من الوجهاء وأعيان المنطقة هو تجديد البيعة الى الملك فيصل، وذلك على أثر أحداث جرت في مقر الإذاعة عام 1393 هـ ج، وبعدها بعام هطلت أمطار غزيرة على المنطقة، وصارت المياه إلى نصف متر في شمال سنابس دخلت داخل الغرف، فرفعنا خطابا إلى وزارة الداخلية، «يومها كان وزير الداخلية الأمير فهد بن عبدالعزيز، الملك فيما بعد» وحينها كانت البلدية تحت إشرافها، وذهبنا مع جماعة من القطيف لمعالجة الوضع، وكانت النتيجة أن رئيس البلدية تمت ترقيته إلى المرتبة التاسعة، وأخذوا علينا تعهدا بعدم تكرار هذه الخطابات.. وبعد وفاة الملك فيصل كنت ضمن وفود المنطقة التي ذهبت الى الدمام والرياض.. كما عملت على عدد من الملفات المهمة لمجتمعنا، ووصلت في بعضها إلى طريق مسدود.

بعد هذه التجربة الجميلة، وفي ختام هذا الحوار ماذا تنصح الجيل الناشيء؟

  في الواقع دخلت علينا مفاهيم خاطئة من قبيل الانتهازية، عدم الصدق، الارتجال، وأقول لأولادي وللجيل الناشيء بأن يتعلموا جيدا وأن يتقنوا فنون إدارة الحياة، وربما أخطأنا معهم كوننا أردنا إبعادهم عن الظروف التي مررنا بها فلم نعرّضهم الى أي من التجارب القاسية، فتعلّموا الخمول، ولكن الفرص متاحة أمامهم.. والله يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.