آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عشاق الإمام الحسين

إنها رحلة العاشقين نحو قبلة الأفئدة وموئل الوالهين ولياء الله، وتتجسد في هذه المسيرة الولائية كل معاني الحب والجاذبية لكنه الكمال الإنساني، فليست علاقة المؤمنين بأبي الأحرار والتي لا تحكمها العاطفة العمياء أو المنافع الذاتية، بل هو العشق لروح طاهرة أبت الخنوع والاستسلام لسلطة الطغيان والاستبداد.

فلم يأخذ البطش والتهديد بالموت منها مأخذ الخوف والرهبة والتراجع عن التمسك بالحق ورفض الظلم، إنها النفوس الأبية الحرة التي لا تجد في الموت في سبيل الحفاظ على القيم إلا مسلك سعادة، ويرون في حياة اللهث خلف الشهوات وطلب الجاه والمال والسلطة ما لا يليق بالإنسان.

وأما الحياة الحقيقية فهي ما جسده الإمام الحسين من فضائل ومباديء حسينية لا يحيد عنها كسلوكيات يلتزمها زواره، فشيعته المنكرون لتلك الجريمة النكراء التي أسفرت عن استشهاد رجال الله الأطهار في كربلاء تشربوا قيما تصبغهم كحسينيين.

هذا العشق للإمام الحسين ليس بعاطفة ساذجة بعيدة عن حركة العقل الواعي وتتباين معه في التصورات والأحكام، بل هي مؤازرة وتكامل بين العاطفة الموجهة والمرتبطة بتأمل الأذهان للتجسيد الحقيقي لكل الكمالات والفضائل وهو الإمام الحسين ، فما كان الحسين - في الحقيقة - إلا صوت الحق والكرامة وإنمار الظلم والشجاعة والحنكة.

إنه يمثل الفهم الحقيقي للحياة وأبعادها وغاياتها، وأعطى تصورا واضحا للحياة الكريمة التي لا تغالب فيها الظروف القاهرة همم الرجال العالية ولا تكسر إرادتهم مهما حصل، فرجال الله يحملون الثوابت والقيم التي تمثل خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها أو إلغائها مهما كلف الأمر وتناهى الثمن.

هذا الفهم لشخصية الآنسان الكامل هو ما يملأ قلوب الأحرار عشقا وجاذبية نحو المنظومة الأخلاقية والتربوية الحسينية، فالحسينيون الولائيون يحولون تلك الخطوات في مسيرهم نحو قبره الشريف، ودموعهم الساكبة حزنا وألما لما أصاب عترة الرسول ﷺ الطاهرة، وعزاءهم الذي يواسون به القلوب المتحرقة والمتألمة لتلك الفاجعة الكبرى، تلك المراسم الولائية تتحول إلى سلوك عملي ترمقه عيون الإكبار والإعجاب، ترفع شأنهم لما يظهر عليهم من نفحات حسينية في أدبهم وتعاملهم وعلاقاتهم بالله تعالى وبالناس، بما يبرز ثباتا واستقامة وطهارة.

لا يمكن اقتطاع واقعة الطف من ارتباطها الزمني بالماضي والمستقبل، فكربلاء مدرسة الفهم الواعي والثبات على الحق والتضحية والعطاء والاستبسال في مواجهة الباطل والظلم، ألم يكن هذا نهج الأنبياء والصالحين في الأمم السابقة، وهو شعار نهضة الإصلاح المهدوي الكبرى، والتي يعم من خلالها دحر الطفيان والفساد، والزحف المقدس نحو قبلة الإباء هو تربية وإعداد لمواجهة أعداء الإنسانية.