آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في رحاب الدوحة المحمدية

الفرح بآلام الآخرين

ورد عن واثلة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك» «وسائل الشيعة ج 3 ص 265».

مقدمة: الكرامة الإنسانية تعني اعتزاز وافتخار المرء بشخصيته، وعدم إفساحه المجال لغيره بانتقاصه أو توجيه الإهانة له أو السخرية به مهما كانت الظروف، ولا يمكن أن تنشأ علاقة ناجحة ومستقرة بين طرفين أحدهما يستخدم معول هدم وناقض لجدار الإخوة والاحترام المتبادل، بل لو وجد من يتقبل الطعن به ولمزه واحتقاره فهذا يدل على وضاعة وقلة مروءة فيه، فمن يقبل إهانته فهو بلا شك ضعيف نفسيا أو واقع في حبالة وأسر المال وتحصيل المصالح بأساليب ملتوية، فيقبل ثمنا لشراء ذمته حفنة من المال، وهؤلاء هم أرخص الناس.

والشماتة بالآخر تكشف عن نفس مريضة تتصف بالتكبر والتعالي، وعنده قصر فهم بحقيقة تقلبات الدنيا وألوان الاختبارات التي يواجهها الإنسان وبشكل يومي، وما يفرح به من بلاء وقع على غيره قد يقع به مثله أو بخلافه بعد لحظات معدودة!

والشماتة بالآخر بداية طريق الخراب والتآكل الأخلاقي عند صاحبه، فهي تدفعه نحو ممارسة الرذائل الأخرى كالنميمة وبث الشائعات والدعايا المغرضة الخبيثة والشتم وغيرها، ولا يتوقف هذا المنزلق الخطير عند التفكير باقتناص الفرص المؤاتية للتشفي والانتقام وتوجيه الضربة القاضية له، والمسقطة له على أرض التعرية من كل خير، والإسقاط من أعين الناس والنظر له باشمئزاز، وانتقاص وجوده وتجاهله في أي تجمع أو مجلس.

كما أن الشماتة تؤسس لعلاقات اجتماعية مضطربة ومتوترة، وتقوض كل أسس الاحترام والثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، فينظر كل فرد للآخر وكأنه عدو يتربص به الدوائر، ويترقب بلهفة لحظة سقوطه في مشكلة أو خطأ؛ ليبدأ معه حفلة الضحك الهستيري ونظرات الاحتقار المشينة، والتخلي عنه في وقت هو بأمس الحاجة لكل من يسانده ويسهم في حل مشكلته ويساعده على الخروج من عنق الزجاجة والمأزق الذي يعاني من آثاره النفسية والاجتماعية، إنها لحظة ضعف إنساني يمر بها هذا المسكين ويحتاج لإخوة يمدون يد العون، وأما نظرة الذئاب المتوحشة من الشامتين به، فهي جرح أكبر يفاقم أزمته ويزيده ألما أعظم مما يعاني منه.

الثقافة الحقوقية والتعريف بحقوق الآخرين عليه والخطوط الحمراء القيمية التي لا ينبغي تجاوزها، هو ما يحفظ نفوسنا من هذا السقوط المدوي في بؤرة الشماتة والاحتقار للغير، ويجنبنا اشتغالا واهتماما بأحوال الآخرين بشكل سلبي، ويؤسس لنفوس وضيعة تسافلت لأحط دركات الرذيلة، فقلة المبالاة والمشاركة مع الآخرين في همومهم وآمالهم صفة سيئة، ولكن ما هو أفظع منها وأشنع هو أن يرقص البعض على جراحات الآخرين، ويرى في آلامهم ومشاكلهم مغنما له وفرصة لممارسة هوايته القذرة، والتي لا تختلف تماما عن شناعة أكل اللحوم البشرية.

وفي اللحظة التي يسجل فيها هؤلاء الشامتون حضورا سلبيا جدا في مشهد مصائب الآخرين، نجد هناك نماذج مشرفة تقدم صورة حضارية من التعاضد البشري المتوافق مع طبيعة الإنسان الخيرة، فيعمدون إلى تقديم كل ألوان المساعدة المعنوية والمادية للمنكوبين والمهمومين، فأصحاب القلوب البيضاء يجدون سعادتهم وفرحتم حينما يقدمون ما يستطيعون عليه، وذلك لمسح سحنة الحزن والهم عن الوجوه البائسة، فهذا ما يحقق إنسانيتهم وكمال نفوسهم برؤية الابتسامة تعود مجددا لغيرهم.

ونختم بذكر ما أشار له النبي الأكرم ﷺ كرادع لمن يفكر بالضحك على ألم غيره، وهو أن الجزاء الإلهي الدنيوي للشامتين بمصائب ونكبات الآخرين، هو دوران الدنيا بهم فيلقون من الابتلاء ما يجعلهم أضحوكة للغير ممن يتعامل بمثل أخلاقهم السيئة، فالدنيا مداينة ومجازاة بالمثل، أفلا تعقلون؟!