آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المشاعر السلبية المرضية

ورد عن أمير المؤمنين : طهروا قلوبكم من الحقد، فإنه داء موبئ» «ميزان الحكمة ج 1 ص 648».

مقدمة: تعتلي مشاعر الكره المتأصلة في القلب قمة المخازي والعيوب التي يمكن أن يتصف بها الإنسان، وذلك أنها معول الهدم المقوض لكل أسس العلاقات الإنسانية، ويحيلها إلى عمق التفتت والتشتت والاغتراب، فأي مجتمع رشيد متكامل يمكن بناؤه على قواعد الأحقاد السامة؟

حياة الجحيم: كما أن حياة الإنسان الحاقد لا تستقيم أبدا، فحالته النفسية تزداد في كل يوم سوءا وهو يرى نجاح الآخرين في حياتهم بشتى أبعادها، ويعيش حياة الاستنزاف في جهوده وفكره وأعصابه، وذلك بسبب سيطرة صورة الآخر على خياله وكيانه، فلا شغل عنده إلا متابعة أحوال من يكرههم، وكلما سمع خبرا يحمل بشائر النجاح والراحة والإنجاز في حياتهم، كان ذلك بمثابة طعنة خنجر متجددة تنهش جسده الضئيل والمتهالك، وذلك بسبب هواجس القلق والتوتر المسيطرة على نفسه المريضة بهذا الوباء الفتاك الخطير.

خلافات مستحكمة: تبدأ المشاعر السلبية في التمكن من عقله وقلبه بسبب تفكيره الدائم في أي خلاف أو سوء تفاهم ينشأ مع أحد أفراد أسرته أو أصدقائه لم يتعد وقته بضع دقائق، ولكن تفكيره بقي مشغولا بتحليل الموقف ودراسة أبعاده ومسبباته ونتائجه، هو أشبه بتضخيم الحدث واجترار آلامه، فيتحسس من كل تباين وخلاف ولو كان بسيطا، لتتسع رقعة مشاعره إلى سوء الظن والوصول إلى المرحلة الخطيرة وهي العداوات والخصومات، والاستعداد للدخول في قطيعة مستديمة لسبب تافه، ويضبط إيقاع علاقاته وفق هذه المنظومة الفكرية المريضة، ولا يعلم مثل هذا الجاهل أنه يؤذي نفسه أكثر مما يسبب للآخرين من وجع وقلق، ففي النهاية لن يكون أوحد زمانه ليشغل الآخرون تفكيرهم به، أو التخطيط للدخول في احتراب ومناوشات كلامية ومواقفية معه، بل لهم من الآمال والأهداف ما يجعلهم بعيدين عن ساحة المناوشات الصبيانية، بينما يبقى هذا المسكين رهين تفكيره المريض ومشاعره المتوجة بالبغضاء.

النبذ الاجتماعي: سيشغل باله كثيرا بتجهيز ردود الفعل المتهورة، وإعداد كمائن الخداع ونصب شرائك الكذب والانتقام، وفي النهاية سيكون الخاسر الوحيد، وذلك أنه لن يتمكن من الحصول على الأمان والقبول الاجتماعي، وسيكون شخصا منبوذا في محيطه وبيئته الأسرية والاجتماعية، فمن ذا الذي يخاطر باستقراره النفسي فيرتبط في علاقة اجتماعية مع صاحب قلب أسود؟!

كما أنه سيحظى بنصيب وافر من العداوات والخصومات التي تجعله وحيدا، وذلك أن سريرته أضحت مكشوفة أمام الجميع فهو شخص حقود لا يعرف الود وحب الخير والصلاح لأحد سواه، إنه لا يشغل نفسه إلا بتحين الفرص والأوقات القاتلة لنفث سمومه في وجوه الآخرين، وتبلدت وضعفت مدركاته الفكرية فلم يعد له من شغل سوى الانتقام والتشفي وتربص دوائر السوء بالآخرين، فعينه لا يمكنها أن تبصر إيجابيات وحسنات الناس، بل عينه مسلطة على العيوب والهفوات والمساوئ، وتراها مهما تصاغر وتضاءل حجمها، فهو يبحث عن ضالته ولو كانت إبرة صغيرة في كومة قش كبيرة!!

مناشئ الحقد: أي وضع يرثى له يكون عليه مثل هذا الإنسان، فالحزن والهم الدائم والكآبة تعلو محياه، فلا يهنأ ولا تقر له عين بلحظة جميلة يقتنصها من عداد الزمن، كما أن تفكيره المعوج لا عمل له سوى الكذب وتزييف الحقائق والتلون حتى يصل لمأربه الشيطاني، إنه يدمر كل شيء جميل في حياته.

وقد يكون للغيرة المفرطة دور في إنبات الأحقاد في قلبه، فما يحسبه حبا لم يكن إلا صورة حقيقية عن الأنانية وحب السيطرة والتحكم في حياة من حوله.

وكل همه كان عقد المقارنات بغيره، ويصاب بخيبة أمل عندما يراهم متفقين عليه، وهذا ما يزيد من بغضه لهم، ولا يجد متنفسا لهذه المشاعر السلبية تجاههم، سوى كبتها وكتمانها والتفكير بتوجيه أي أذى لهم، وتتملكه الفرحة الشديدة عندما يصيبهم أي مكروه أو تعثر في خطاهم في ميدان العمل.

وللحرمان العاطفي في أسرته وقلة الاهتمام به دور في تأسيس مشاعر الحقد على الآخرين، فلم يشعر بالمقبولية والاحترام لوجوده بين إخوانه أو أقرانه، بل كان يشعر بالمنبوذية والنقرة منه، مما شكل عنده عقدة النقص والدونية عن الغير.

معالجة: لن نجد معالجة للقلب من هذه المشاعر المرضية أفضل من التصالح مع الذات والتسامح مع الآخرين، فمن جعل همه أن يكون لنفسه حجما في دائرة التأكيد والنجاح، لن يكون إلا حاملا لمشاعر المحبة لغيره ولا يجد فيهم سوى قرناء يحق لهم تحقيق أهدافهم في الحياة، بل ويجد سعادة في تقديم المساندة لغيره.

ومهما كانت إساءة الغير في حجم إيذائها، فلن يكون لها من رد خيرا من تجاوزها وكأنها لم تقع.