آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في رحاب الإمام العسكري

مسيرة الإنسان

ورد عن الإمام العسكري : «لكل زارع ما زرع» «تحف العقول ص 519».

مقدمة:

ما أعظم هذه الكلمة الرائعة في بيانها وبلاغتها على اختصارها، فهي تحمل مضامين تمثل ضياء درب وقبس هدى في حياة الإنسان، فكل خطوة يقدم عليها ستكون لها نتائج وتبعات ترسم ملامح حياته المستقبلية، فالزمن القادم لا تعرضه العبثيات وعمى الفكر ومنطق الإرادة الضعيفة عن بناء الأهداف، فالصورة واضحة أمام المرء ولا يتخذن من الاستغراب مشجبا يعلق عليه خيباته وإخفاقه؛ ليجد فيها عذرا ومواساة وتبريرا يرفع عن ماهله تحمل المسئولية والمحاسبة، فالحياة لا تتحمل المناطق السوداء والخطى السلبية، ولا المناطق الرمادية التي تشير إلى التردد ونبرة الخمول، فإما أن يتجه المرء آلى طريق تأكيد الذات وتحقيق الرضا النفسي الإيجابي القائم على تحقيق خطوات في طريق النجاح والإنجاز، وإما أن يعيش حياة الضياع والتخبط بين مسارات الخطايا والمساوئ والرذائل.

مفهوم الشخصية:

شخصية الإنسان تتحدد ملامحها بحسب ما يحمله من أفكار وسلوكيات في جميع جوانب الحياة، وهي ما تؤثر على تفكيره وعلاقاته وآماله ولسان تخاطبه مع الآخرين، فأي حوار هادئ معه وتجاذب لأطراف الحديث معه، سيفصح عن معالم رؤاه ونظرته للواقع وتقييمه للغير والمنهج الذي يرتضيه لكيفية قضاء الأوقات، وبالتأكيد أنها لن تخرج عن دائرة حياة الفضيلة واحترام النفس والآخرين، وحمل صفات الرقي والتألق كالهمة العالية والطيبة والتسامح، والنظر لعواقب الأمور قبل الإقدام على أي خطوة قد يجني منها الندم والحسرة لتسرعه وتهوره.

أو مسار الانفلات القيمي والانحلال الأخلاقي والخطوات غير المدروسة والمحسوبة العواقب، وبناء على ما يحمله من منظومة فكرية وقيمية يمكن الحكم على شخصيته والتنبؤ بمستقبله بحسبها. المسلك الأخلاقي: النتائج لسلوكياتنا ليست بذلك التشوش والخفاء، بل لها من وضوح وبيان الصورة ما يجعلنا نحكم على عمى الفرد الذي لا يبصرها، وإلا ما سيكون عليه حياة ذلك الإنسان الذي يحمل بذور الشر والظلم لغيره، ألن تكون تبعات تصرفاته هي نهاية السوء والعاقبة المريرة؟

فالرذائل يحكم العقل الخالي من حجب الغفلة وأسر النزوات على نتائجها الوخيمة وخواتيمها السيئة.

وفي المقابل فإن منهج الفضيلة والخلق الرفيع، سيكون مؤسسا لعلاقات ناجحة ومعطاءة، تحقق الرضا والسعادة للفرد وهو يرى نفسه سائرا في خط القيم، ولنتصور الحالة الإيجابية التي سيكون عليها المجتمع من رشد وتكاتف بين أفراده؛ لأن الإحسان وعمل المعروف والمساندة هي أسس التعامل والترابط بين الناس، فيجنبهم القلق والهواجس من المستقبل.

المنهجية:

لنأت إلى علاقته بالله تعالى وكيف أنها تشكل نقطة مضيئة في حياته، أو أنها تكون مرحلة ضياع وخسران وعمى باتباع الأهواء والشهوات، فصاحب الفضيلة تنتظم خطواته ليقينه بأن الله تعالى يراه في كل أحواله، وهذا ما يحذره من ارتكاب المعاصي والمظالم، بينما الإنسان الغافل وأسير النزوات لن تقف نفسه عند حد معين من الإيغال في الفجور، وسينطلق متماديا في طريق الحطيئة.

وفي علاقاته بالآخرين فنحن بين حياة الفضيلة والصدق والأمانة والعدل وكف لسانه ويده عن إيذاء الغير وبذل الخير والمعروف، وإما أن تكون مملكة الشر والغرائز الشهوانية والغضبية هي ما يحكم رؤاه وسلوكياته، والنتيجة الواضحة لتصرفاته هي الجور والحدة والخشونة في التعامل والأنانية.

حياة الضياع:

ما نراه من نفوس متعبة وتعاني من آلام وجراحات، هي نتاج روح الظلم وافتراس الضعيف والانتهازية والاستبداد.

كما أن حالة التخلف وضعف الإنتاجية والإنجاز فضلا عن الإبداع، هي انعكاس لضعف الهمة وانكسار الإرادة عند عماد المجتمع وهم الشباب، فركزوا اهتمامهم على سفاسف الأمور وتوافهها، وأضحى بعضهم فريسة للتعصب والانحلال والانجرار خلف المخدرات، ولم تعد تشغل بالهم تحقيق منجزات تضفي قيمة عالية على شخصياتهم.

معالجة:

ينبغي النظر في مقاربة حياة الشباب الموسومة بالضياع أو الضمور الإنتاجي، بتنشئة صغارنا على الفضيلة ومعالم الشخصية السوية والناجحة، فالتقدم والتنمية تعتمد على الوجود الإنساني وهو الذي يصنع الأمجاد والازدهار، فليكن التركيز على بناء شخصية الفرد وفق المنظومة القيمية التأسيسية لسلوكيات مقبولة ومرغوب فيها.