آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

البشرية في تطلعاتها

شخصية الإنسان لها وجهان هما: الروح والجسد، والتوازن في تلبية حاجاتهما هو ما يضع خطاه في طريق السعادة والصحة النفسية السليمة، وذلك أن الجانب العاطفي مثلا يعني الحاجة إلى الشعور بالمقبولية واحترام الآخرين له، فيتبادل معهم الثقة والأحاسيس الصادقة، ومهما كان وضعه المادي أو الثقافي مزدهرا وناميا فلن يغنيه ذلك عن محبة من حوله وإقامة علاقات ناجحة معهم.

وإن أي خلخلة في عملية التوازن بين جوانب حياته المادية والمعنوية، سيؤدي بالتأكيد إلى ضمور في تنمية ذاته، والجانب الروحي الذي غيبته الحياة المادية المعاصرة كان سببا في شقاء النفس المعذبة، فالآلام والمصاعب التي يواجهها الإنسان اليوم لن يقوى على تحديها بمظاهر القوة والقدرات التي يمتلكها فقط، والأزمات تعصف بكيانه إن لم يحمل قوة روحية تتصف بالصبر والأمل والعمل المثابر.

وهذا ما نجده في خلاصة التوجيهات الدينية لصياغة شخصية الإنسان وفق منظومة تعادل وتوازن بين حاجات متنوعة لجسده وروحه، ولابد من تلبيتها تجنبا للحرمان المادي أو الظمأ الروحي.

ولا نجد حضورا للنزعة الروحية المتشددة الطاغية على الجانب الآخر، كما يحاول البعض أن يرسم معالم الحياة السعيدة بأنها تجنب كل المظاهر والاحتياجات المادية، والاقتصار على الممارسات التي تسمو بالنفس نحو أفق العبادة، وهي بصورة أخرى دعوة للانفصال عن الواقع والانعزال عن الناس والتشرنق في صوامع النفس، والحقيقة أنها لن تنشيء الإنسان الكامل، بل ستأتي لنا بالإنسان المشوه الذي يعاني خللا بسبب عدم الاستجابة لحاجة الجسد وإشباع الغرائز، والمنهجية الدينية الحقة تقوم على تحقيق هذا التوازن دون إسفاف وإيغال في اتباع الشهوات، فيتسافل الإنسان إلى الصورة البهيمية التامة، متخليا عن أهم معالم ألقه وتميزه وهو العقل، ولكن هذه الرغبات تلبى في إطار الحاجة دون إسراف وانكباب عليها، فهناك القانون التشريعي الذي يضبطها دون أن تخل بسموه الروحي، فكما للإنسان غرائز مادية يحتاج إلى إشباعها، كذلك له تطلعات وآمال وأهداف يعمل على تحقيقها، فالسعادة في حقيقتها وكنهها هي الرضا الإيجابي عن النفس، والناشئ من تأكيد الذات وبناء القدرات اللازمة في ميادين الإشباع الروحي والمادي، وهذا ما يحقق الصحة النفسية والراحة له، وإلا فبماذا نفسر حالات الضياع البشري بين متاهات الانتحار والإدمان والإجرام الجنوني والتمزق الأسري وغياب الوعي في رسم الحياة المستقبلية، بما ألحق ضررا بالغا باستقرارهم النفسي، وحول الحياة إلى تعاسة وبؤس وشقاء لا يتحمل؟

فلنرفع اللاء في وجه المنهج المادي المعاصر والذي لم يحقق للإنسان إلا مزيدا من المتاعب، واللاء الأخرى في وجه الرهبانية والحرمان الذي ينتهي بالفرد إلى انتكاسة وانقلاب فكري، واستدارة خاطئة نحو تلبية الحاجات المادية بلا حساب أو مدى معين، فالكمال الروحي الذي يتحقق وفق فكر قائم على التعلق بالقدرة الحكيمة المحركة لشئون الكون، فالإرشاد الديني يدعو المرء نحو التحلي بالصبر والنفس الطويل أمام المصائب، والالتزام بالقناعة بعيدا عن الطمع والجشع، وفي الجانب الآخر فإن الإشباع المقونن للغرائز لا يخرجه عن سموه وتألقه أبدا.