آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

رحمة للعالمين

لم يكن هناك تعبير جامع لكنه وشخصية الرسول الأكرم ﷺ أبلغ من التوصيف الإلهي له بأنه رحمة، إنه عطية السماء التي ترسم معالم السعادة والنجاة في دروب الحياة الصعبة، تأخذ بيد الإنسان بعيدا عن مزالق الشهوات والأهواء وتقاطيع النفس الطاغية، وتتوجه به نحو طريق الخير والصلاح والكمال، وفق منظومة أخلاقية وتربوية احتوتها التعاليم والإرشادات المحمدية، فكانت حياته ﷺ اختزالا للعطاء غير المنقطع والهمة العالية التي لا تفتر، مع عظيم ما لاقاه ﷺ من أذى وصعوبات وضعها رجالات قريش والأعراب كعراقيل في طريق الهداية لأنفسهم ولغيرهم، ولكنه ذلك القلب الرحيم والشفقة الغالبة على تعامل رسول الله أنارت قلوبا قاسية ولينتها، بما لم يره الناس من خلق رفيع لم يعهدوا له مثيلا من قبل، فالدين الذي جاء به هو دين المحبة والسلام والتسامح والمساواة، وهي مفردات القيم الإنسانية التي لقت انجذابا لها من القلوب الوالهة لحياة العدالة والاستقامة والاتزان.

ولم يكن تقديمه لدعوته الإصلاحية في المجتمع والقائمة في أهم أسسها على التكافل والتكاتف والتعاون الاجتماعي، مجرد مثل نظرية لا قواعد لها على أرض الواقع والتطبيق، بل كان محمد ﷺ تجسدا للكمال القيمي الإنساني، فقد أعطى بتعامله الرحيم الحنون أهم دروس التعامل مع الآخرين، فكان الحضن الرؤوم لكل يتيم افتقد حنان الوالدين، يستشعرون منه العاطفة المفقودة، وعطاؤه المعنوي للفقراء والمحتاجين بما يلقونه من ابتسامة تعلو محياه وكلمة طيبة تمسح عنهم شقاء الأيام وآلامها، أعظم أثرا مما يقدمه له من طعام يخفف عنهم ألم الجوع، إنه ﷺ صاحب الحس الوجداني الذي يستشعر ما يكون عليه الناس من حوله من تعب وضنك، ويسعى بكل ما أوتي من قوة على تفريج همومهم، فكان بذلك ﷺ يخط معالم مدرسة الأخوة وحب الخير للآخرين والتخلي من ربقة الأنانية.

وهو الرحمة المهداة لهدي العالمين نحو طريق التوحيد والتقوى، فأخرج الناس من ظلمات الموبقات والمنكرات التي كانوا يمارسونها، فأعمت قلوبهم النزوات وأهواء النفس الشقية عن نور العقل المنفتح على آيات الله المبثوثة في الكون، فقد حرموا عقولهم من نعمة التفكير المتأني والتأمل في أحوالهم ومآلهم، وأصابت قلوبهم القسوة والتوحش فأضحوا ذئابا ضارية تنهش لحم الضعيف والمحتاج، عاشوا حياة الغاب ومنطق الغلبة للقوي، فأي غلظة قلبية عاشوها أكثر من الجفاف العاطفي تجاه أبنائهم، وتردى بهم الحال إلى أن وأدوا بناتهم!

وهو رحمة للعالمين بما امتلكه من قلب رؤوف استطاع أن يتعامل بصبر جميل ورحابة صدر مع غلظتهم وعنادهم ومكابرتهم عن قبول الحق والهدى، فلم تنكسر له إرادة ولم تضعف له همة عن طريق هدايتهم، فكان مهوى الأفئدة لما امتلكه من حنان ورقة، فخلقه الرفيع كان العامل الأهم في إشراقة نور الحق غي قلوبهم ودخولهم في دين الله أفواجا، فاستبصروا الحق بنور خلق محمد ﷺ.

إن الدين الذي جاء به محمد ﷺ لم يكن طقوسا جوفاء من المضامين والمعاني القيمية، بل هو دين الخلق الرفيع والتعامل الحسن، إحسان في علاقة العبد بربه تطبع على الإنسان علائم التوحيد والإخلاص، وإحسان لنفسه بالترفع عن الفواحش والخطايا، وإحسان في التعامل مع الآخرين وفق ثقافة الحقوق وإقامة العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والإخاء الصادق والمثل النبيلة.

ولا نحتاج إلى دراسات معمقة تبصرنا بحقيقة تأثير الدعوة المحمدية على النفوس ونقلها إلى بر الأمان والنجاة، فنظرة سريعة لما كانوا عليه من جهل مطبق وضلال مبين شمل جميع أبعاد حياتهم الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وما تجللوا به بعد ذلك باتباعهم للهدي المحمدي من روح الاستقامة والبصيرة الثاقبة، لهو كاف في معرفة عظمة هذه الشخصية التي نقلت الناس إلى الترقي في مدارج الكمال الإنساني.