آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

معرفة الله تعالى

قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا «نوح الآية 13».

مقدمة: يخاطب نبي الله نوح قومه مستتنكرا عليهم هذه الاعتكافة على عبادة الأصنام، والإصرار على مزاولة طقوس التزلف لها كآلهة تدير شئونهم وتجلب لهم النفع، فقد أصاب الصدأ الفكري عقولهم المحجوبة عن معرفة الخالق العظيم لهذا المون وما فيه، فهم من جهة لم يمنحوا أنفسهم فرصة التأمل في آيات الله المبثوثة في السموات والأرض؛ ليصلوا ببساطة تحكمها فطرتهم وكثرة الدلائل إلى أن خالقهم عظيم قوي لا يعتريه الضعف أبدا، وهذه الحجارة التي اتخذوا منها آلهة صنعوها بأيديهم فهي لا تملك حراكا ولا سمعا حتى تجلب لهم السعادة ونجاح الحاجات، فمتى سيرتفع عن آذانهم الوقر وحجاب الجهل المطبق الذي لا يريدون ترك ملازمته، فليفتحوا مسامع قلوبهم لتشرق فيها المعارف الحقة وهي وجود الصانع العظيم، فيؤدوا شكر آلائه اللا متناهية.

نداء التوحيد: أيها الناس ما لكم لا تعرفون الله تعالى حق معرفته، وقد منحكم وسائل التفكير وأدوات طلب اليقينيات، فلم تعرضون عن آيات الله البينات الموصلة لكم إلى معرفة الحق، وتقلعون عن عبادة الأوثان الصماء التي لا يقرعا عقل واعي؟!

ومن قدم لأحدكم معروفا بسطتم له الثناء والشكر على ما قدم، ومن قابل الإحسان بالإنكار والتجاهل، وسمتموه بالجحود واللؤم وانعدام المروءة، فها أنتم أعظم الناس جحودا، فمن أنعم عليكم بنعم لا تعد ولا تحصى، وتكفلتكم عنايته وتدبيره لشأنكم منذ كنتم أجنة في بطون أمهاتكم، ويرعاكم برزقه مع كل نفس تتنفسونه، فهلا توجهت عقولكم للمنعم فشكرتموه؟!

وأين عقولكم من فهم حقيقة وجودكم والمآل الذي تصلون إليه في ختام حياتكم، أم حسبتم أن تتركوا سدى وبلا مجازاة على ما فعلتم في دنياكم، فإذا استبصرتم هدى الله تعالى لعقولكم بما جعله ماثلا أمام عيونكم من البراهين الدالة على وجوده، ستعرفون أن وجودكم في الحياة الدنيا له غاية وهدف، وبمقتضى عدالته سبحانه سبجازيكم على ما عملتم من خير أو سوء في الدار الآخرة.

وتغيب عن قلوبكم الخشية من عقابه، فلا تستحيون من فعل القبائح والمنكرات وتأتونها بلا ارعواء من عواقبها الوخيمة عليكم، فلتعلموا أن الله تعالى يراكم ويعلم ما أسررتم، وستنكشف الحقائق والخبايا يوم تقفون بين يديه ليحاسبكم ويجازيكم.

لقد جعل لكم آيات أنفسية تبصرونها في عظيم خلقه لكم، فأبصروا تبدل أطوار الجنين في بطن أمه، وفي جميل خلقه لكم بأحسن هيئة، وجعل لكم آيات آفاقية تتلمسها أبصاركم وبصيرتكم وليست ببعيدة عنكم، ولكنها العقول إذا أظلمت وغلفها الجهل لا يرجى منها فهما ولا وعيا.

خلاصة: لم يوقر ربه معرفة وامتثالا لأوامره من جهل خالقه، ولم يوقر ربه من لم يستشعر رقابة الله تعالى عليه، فمضى في مقارفة المعاصي دون ارعواء، وتمادى حتى أصابه طغيان النفس وعمى البصيرة.

ولم يوقر ربه من تكاسل عن أداء العبادة، فأغرته الدنيا بحطامها الزائل فصرف نفسه عن طاعة القهار، لقد هانت نفسه عليه بارتكاب الموبقات، فما أعظم تعجبه عندما يواجه في ساحة المحكمة الإلهية الكبرى يوم القيامة ما قدمت يداه من عمل مهما تضاءل حجمه.