آخر تحديث: 23 / 9 / 2017م - 1:03 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المسرحي الحايك: غياب المرأة القسري يضيق من أفق الكتابة لدى الكاتب السعودي

جهينة الإخبارية حوار: جمال الناصر - القطيف

عشق المسرح، فانساب كقطرات الندى على أوراقه، يخترق عوالمه، ويتيه في شخوصه، ينتقي منها ألمه وتطلعاته، يُبحر من خلاله ناحية الضفة التي تحكيه ويحاكيها، انحنى على الحالة المسرحية، ناقدًا يهفو إلى أن يكون معشوقه - المسرح -، في أبهى حلةٍ وجمالية، يُعانق هموم الناس، يهديهم الابتسامة، ويرشدهم إلى طرق حلها، سافرت نصوصه المسرحية إلى خارج الحدود الجغرافية للوطن، لأنه يتحدث عن الإنسان، عن ألمه وعذاباته، طموحه وتطلعاته، الكاتب والناقد المسرحي عباس الحايك، يتحدث عن تجربته المسرحية، يحاوره جمال الناصر.

ممكن تعرف القارئ بالبطاقة الشخصية:

عباس الحايك، كاتب مسرحي من بلدة القديح بمحافظة القطيف بشرق المملكة، وأعنى بالبحث والنقد المسرحيين، صدر لي عدد من الكتب من نصوص مسرحية وكتب بحثية ومشاركات في كتب بحث، قدمت نصوصي المسرحية في عددٍ من الدول العربية، وحصلت على عددٍ من الجوائز أولها كان جائزة الشارقة للإبداع العربي 2002 م.

متى بدأت الكتابة المسرحية.

بدأ شغفي بالكتابة المسرحية بداية التسعينات بعد تخرجي من الثانوية العامة، بكتابة نصوص مسرحية بسيطة، اجتماعية وفي مناسبات دينية، كانت تنفذ وتقدم لجمهورٍ محدود، رغم أني لم أكن مهتمًا بالمسرح ككتابة، لأني كنت أكتب الشعر والقصة القصيرة آنذاك.

كان الكاتب الحايك في بداية انطلاقة يراعه، متيمٌ بكتابة الشعر، ما المنحنى الثقافي الذي جعله يغير اتجاه بوصلته إلى المسرح، ولماذا المسرح تحديدًا.

القراءة كانت هي المحرض، فبالقراءة اكتشفت ذلك العالم المدهش الذي يختزنه المسرح، وتختزنه نصوص المسرح، شغفت بهذا العالم وشدني إليه بسحره، إذ وجدته الأكثر تعبيرًا عن الناس، عن تباين الشخصيات، عن ذلك المضمر في أبعاد الشخصيات، لحظة اكتشاف سحر المسرح كانت المنحى الذي أخذني للمسرح لأترك خلفي شغفي بالشعر والقصة، تعلقت بشخصياتٍ مسرحيةٍ ممن كنت أقرأ لهم وعنهم، كنت أبتاع ما يكتب عن المسرح وما يكتب له، أتلقف ما يعرضه التلفزيون من برامج مسرحيةٍ إن وجدت، ومن عروضٍ مسرحيةٍ أشاهدها بذائقة الراغب في المعرفة.

الحايك، في كتابة النص المسرحي، ما هو الهاجس الذي يؤرق يراعه، ويمثل عائقًا له.

يؤرقني ويشغلني النص نفسه في البداية، الفكرة التي تظل تتعلق في ذاكرتي لأشهرٍ وأحيانًا لسنوات، كيف لهذه الفكرة أن تخرج على الورق، وكيف تخرج لاحقًا على الخشبة، يؤرقني كيف ستكون ردة فعل من يقرأ النص، وردة فعل من يشاهد العرض بعد أن ينفذ، يؤرقني كيف سيكون شكل شخوصي التي سكنت ذاكرتي، وسكنت الورق على خشبة المسرح حين تتجسد.

ماهي النصوص المسرحية التي حصلت على جوائز على مستوى الوطن، كذلك خارج الحدود الجغرافية للوطن.

كان أول نص حصل على جائزة، وكانت جائزة عربية، نص ”فصول من عذابات الشيخ أحمد“، الذي توج كأفضل نصٍ في جائزة الشارقة للإبداع العربي 2002 م، بعدها حصل نصي ”المزبلة الفاضلة“، على جائزة أفضل نص في مسابقة الدمام للعروض القصيرة 2003 م، وحصل على جائزة أفضل نص في مهرجان مسرح الشباب الرابع بدولة الكويت 2005 م، وحصل ذات النص أيضًا على جائزة التميز في مهرجان الجنادرية 2006 م، كما حاز نصي ”هجرة النوارس البرية“، جائزة أفضل نص مسرحي ثانٍ غير منفذ في مسابقة الدمام للعروض القصيرة بالدمام 2008 م، وحصل نصي ”جزيرة الأماني“، بجائزة التأليف المسرحي للأطفال في مسابقة التأليف المسرحي لوزارة الثقافة والإعلام السعودية الخاص 2013 م.

 ماهي المسرحيات التي تم تمثيلها خارج الوطن.

تقريبًا كل نصوصي قدمت في الخارج، أولها كان نص ”فصول من عذابات الشيخ أحمد“، والذي عرض في دولة الإمارات 2003 م، وعرض جزءٌ منها في البحرين، ونص ”المزبلة الفاضلة“، الذي عرض في دول الإمارات والعراق والمغرب وسوريا والأردن وعمان وقطر والكويت وليبيا والجزائر، ونص ”هجرة النوارس البرية“، الذي عرض باللغة السريانية شمال العراق، ونص ”زهرة الحكايا“، الذي قدم في عمان وقطر، ونص ”المعلقون“، الذي قدم في عمان والكويت، ونص ”الموقوف رقم 80“، الذي قدم في عمان والجزائر، ونص ”فطيم“، الذي قدم في عمان، ونص الأطفال ”جزيرة الأماني“، الذي قدم في الخليل بفلسطين.

بلغنا، بأن لديكم مؤلفات تتحدث عن المسرح ماهي، وهل تم طباعتها، وعن ماذا تتحدت.

نعم، شاركت في كتاب بحثي عنوانه ”موسوعة المسرح العربي“، الذي أصدرته مجموعة مسارح الشارقة 2012 م، بمشاركة 14 باحثًا مسرحيًا عربيًا، وشاركت في كتاب ”المسرح السعودي“، الذي صدر عن كرسي الأدب بجامعة الملك سعود بالرياض 2013 م، بمشاركة عددٍ من الباحثين المسرحيين والكتاب، والذي يقرأ تجربة المسرح السعودي نقديًا، وطبع لي فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام بالتزامن مع مهرجان مسرح الدمام للعروض القصيرة 2014 م، كتابًا بعنوان ”علبة الدهشة“، وفيه قراءة نقدية توثيقية لتجربة المسرح في المنطقة الشرقية، وكتاب ”المسرح السعودي.. تجارب ومسارات“، عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة 2015 م، وفي الكتاب قراءة موسعة متعمقة في تجربة وبدايات المسرح السعودي ومسارات الاشتغال المسرحي في السعودية، ضمن قراءة نقدية.

كيف تنظر لغياب المرأة في النص المسرحي، ناهيك عن تواجدها على خشبة المسرح، والذي يمثل مشكلة أمام الحالة الإبداعية المسرحية.

بالنسبة لي ليس ثمة غياب للمرأة، فالمرأة حاضرة في نصوصي أكثرها، بل أنها شخصية رئيسة في نصوص مثل نص ”زهرة الحكايا“، و”فطيم“ و”صبية كان اسمها حنين“، خاصة وأني أكتب نصوصي دون أن أحصرها بجغرافيا معينة، حتى تتناسب مع أي مجتمع يمكن أن تنفذ فيه هذه النصوص، ولكن بالمجمل أجد أن غياب المرأة القسري بالتأكيد يضيق من أفق الكتابة لدى الكاتب السعودي، فتظل نصوصه ذكورية بعيدة عن طبيعة المجتمع السعودي الذي تتشارك المرأة فيه مع الرجال في مجالات العمل المختلفة، وكأن المسرح أقل حرية وانفتاحًا من المجتمع نفسه، وهذا ما لا يفترض به، ولكن ليس للمسرحيين يدٌ في هذا الأمر، وأكيد أن تواجدها على الخشبة كما يمكن أن تتواجد في النص سيفتح أمام الكاتب والممارس المسرحي نوافذ إبداعية أخرى.

برأيك، هل المسرحيون في الوطن محبطون من الواقع المسرحي، أم أنهم يتمتعون بالنوافذ المفتوحة أمامهم ليبدعوا.

نعم، هناك حالة من الإحباط، حيث أن المشكلة ليست في المسرح نفسه، ولكن المسرح لا يمكنه أن يعيش في بيئات طاردة وفي بيئات تقصر فيها الحرية، والاهتمام به ودعمه ماديًا ومعنويًا، هناك انحسار لحضور أسماءٍ مسرحيةٍ معروفةٍ، وفي نفس الوقت هناك ظهور لأسماءٍ جديدة، ولكن متى ما استقرت الدول العربية اقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا، فإن المسرح سيكون مستقرًا وقادرًا على الإبداع.

تحدث لنا عن تجربتك في كتابة النصوص للأفلام القصيرة.

بدأت تجربة الكتابة للأفلام القصيرة بعد محاولاتٍ شخصيةٍ لكتابة السيناريو، والتعرف ذاتيًا على شكل كتابة السيناريو من خلال القراءة والاطلاع على سيناريوهات مكتوبة والمشاهدة المتأملة، وكان سيناريو فلم ”شكوى الأرض“ هو أولها، والذي نفذه فريق قطيف فريندز، ثم كتبت مجموعة من السيناريوهات التي نفذت، مثل ”وجع الصمت“، و”السيكل“، و”حنة“، و”آلام طفل“، و”حكاية صورة“، وحصد سيناريو ”الصديقان“، جائزة النخلة الذهبية لأفضل سيناريو غير منفذ في مهرجان أفلام السعودية الأول 2008 م، وسيناريو ”نذر“، جائزة أفضل سيناريو غير منفذ في نفس المهرجان في دورته الثانية 2015 م.

بحكم التطور الذي يجتاح الأفق، ودخول قنوات التواصل الاجتماعي بقوةٍ في حياة الإنسان كفردٍ وكمجتمع، هل تعتقد أن باستطاعتها - الأفلام القصيرة -، أن تغير من الواقع الغير سليم إلى واقعٍ سليم، لتكون رسالة تقدم إلى المجتمع، وعليه ماذا ينبغي أن يكون.

المتابع للأفلام القصيرة والبرامج التي تنتج هنا وهناك وتعرض على اليوتيوب، يلاحظ قدرتها على التغيير أكثر من أي شكلٍ من أشكال التعبير الأخرى والبصرية بالتحديد، فهذا النوع من البرامج والأفلام تتميز بسقفها العالي، وبحريتها الكبيرة في تناول أي موضوعٍ كان دون مواربة ولا رمزية ولا خوف من رقيب، وتتميز بأنها الأكثر وصولاً للناس بحكم أن اليوتيوب أصبح بين أصابعنا ومن السهولة الاطلاع على ما يقدم في هذا الفضاء الشاسع، سأضرب مثالاً غير بعيد، قبل أيام وافق مجلس الشورى على فرض رسوم على الأراضي البيضاء، وكان هناك تحرك في اتجاه فرض هذا القانون منذ ظهر فلم ”مونوبولي“، الذي أخرجه بدر الحمود وكتبه عبد المجيد الكناني، على اليوتيوب والذي حرك كتاب الأعمدة والصحفيين ونبههم لهذه القضية، وقس على ذلك الكثير من القضايا التي أصبح متاحًا تناولها.

هل يفتقد المسرح كاتب النص المميز، وهل يعاني غربة النصوص بين يديه، لماذا وما هي الطرق العملية في خلق كتاب نصٍ مسرحي متميز.

لا أبدًا، أكثر ما يميز المسرح وجود كتاب مسرحيين متميزين، وإذا جئنا للمسرح السعودي، فإن كتاب المسرح السعوديين أثبتوا علو كعبهم على مستوى المسرح العربي، وصار النص السعودي مطلوبًا في مسارح خليجية وعربية، ووضع هذا النص تحت مجهر النقد والتحليل كونه نص متميز ومثار دهشة النقاد، ويمكن لكاتب النص المسرحي أن يتميز في نصه لو أخلص لهذا النص، وأخلص لفكرته وشخوصه، وتعمق في الذات الإنسانية التي يكتبها، ليخرج ما فيها من مخبوء، ويفهم تمامًا سياقات الكتابة الاجتماعية والفكرية والثقافية.

برأيك، إن كان هناك غياب للنص المسرحي المميز، أليس من الممكن تحويل رواية أدبية هنا أو هناك بعد أخذ موافقة كاتبها، أو قصة أو غير ذلك، وتحويلها إلى نصٍ مسرحي، ألا يعتبر هذا خيارٌ من الخيارات التي يمكن أن تطرح على طاولة الحلول في غياب النص المسرحي.

بطبيعة الحال هذا مسار من مسارات الكتابة المسرحية، وكان لعدد من كتاب المسرح هذه التجارب في كتابة نصٍ مسرحي مقتبس من رواية أو قصة قصيرة، وشخصياً لي تجربة يتيمة، حين كتبت نصي ”حدث في زنزانة“، عن القصة القصيرة ”اليقين“، للقاصة السورية سمر شيكلي، كما كان هناك تجارب لكتابة نصوص وتنفيذ عروض مأخوذة من روايات الراحل غازي القصيبي، إن الخيار متاح لكاتب النص إذا وجد في رواية أو قصة أو حتى قصيدة شعرية ما يستفزه للكتابة.

من الشخصية التي لها حقيقة التأثير فيك ككاتب، وليس كشخص.

شخصيات كثيرة شكلت أثراً عندي، مثل البحريني عبد الله السعداوي، والعراقي الراحل قاسم محمد، والعراقي الراحل قاسم مطرود، والدكتور جواد الأسدي، المغربي عبد الرحمن برشيد، والممثل السوري غسان مسعود وغيرهم، كان هذا في بداياتي وحتى هذه اللحظة أكن لهم التقدير، ولكني ربما في هذا الوقت تجاوزت مسألة التأثر وأحاول في كتاباتي أن أحقق استقلاليتي.

هل تعتقد بأن المسرح السعودي وصل إلى مستوى ذائقة المتلقي، وتطلعاته وهمومه، وماهي رؤيتك.

بالمجمل لا، فلا زال مسرحنا بعيد عن الجمهور الحقيقي، فلا يقف عن منتصف الطريق بين المسرح التجاري التهريجي الذي أفسد ذائقة المتلقي، وتحول عنده المسرح لأداء إضحاك وترفيه بحت بعيدًا عن أي قيمة، وبين مسرح النخبة الذي يحلق بعيدًا عن الناس، ويبدو فوقيًا في تعامله مع الجمهور، لنقول أن المسرح قادر على أن يكون مواكبًا لقضايا الناس، فلابد أن نقدم عرضًا يمتلك الفرجة التي تجذب كل شرائح الجمهور دون أن نغفل جانب القيمة الفنية والفكرية.

ما تقييمك إلى المسرح السعودي.

المسرح في السعودية يعتمد على الجهد الفردي وعلى جهد الفرق في ظل غياب الاهتمام والدعم الرسمي، فرغم ما يواجهه من تهميش، إلا أن المسرح السعودي لا زال يناضل في سبيل إثبات شرعية وجوده وأهميته كفنٍ له اعتبار، فهذا المسرح تمكن في أن يقدم تجارب حاضرة في تاريخ المسرح العربي، تجارب قدمها، هواة لا يملكون فرصة الاحتراف والدراسة الأكاديمية، لكنه مسرحٌ نابضٌ ويتطور ويستفيد من تجارب مسرحية عربية وعالمية.

ماهي اقترحاتك في سبيل تطوير المسرح السعودي.

ما يحتاجه المسرح السعودي هو الاهتمام به، ودعمه ماديًا ومعنويًا، مثل بناء صالات عرض وتكثيف الورش والدورات التدريبيبة، ودعم الجانب النقدي بتسهيل طباعة الكتب البحثية، وإقامة المهرجان السعودي الذي طال غيابه كثيرًا.