آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الجحود آفة عصرية

الفطرة السوية لدى الإنسان تبدو في أجمل صورها، بأن يحمل المرء مشاعر الشكر والامتنان لكل من بذل معروفا أو قدم له خدمة مهما تضاءل حجمها، فالأمور لا تقاس بأثمان مادية وإنما بما تحمله من قيمة معنوية، فصاحب الإحسان ينبئ فعله عن نفس سخية تحمل مشاعر الحب والطيبة، وانعتاق من أغلال العبودية للمال والأنانية، فنحن أمام صورة جميلة ترسم معالم الرشد والسواء والاتزان في المجتمع بين أفراده، فهناك يد بيضاء تمتد لتبلس ألم أو هم إنسان، وتقابلها يد الشكر والتقدير لمن منحوا جزءا من وقتهم وجهدهم لتلمس هموم الغير.

توصيف: ونحن أمام ظاهرة تفشت بشكل سريع بعد أن تخطى البعض خط القيم والمنظومة الأخلاقية، والتي تخط العلاقات الإنسانية بناء على التوافق بين العقل الناضج والقلب المرهف بالأحاسيس الصادقة، وهو ما ينظر بعين الإيجابية لمد يد العطاء المعنوي والمادي، وأما عض يد الخير التي تساعد وتساند فهو اضطراب نفسي لا يخرج من إنسان سوي، بل نكران الجميل يشي لنا بنفس مريضة تحمل مشاعر الحقارة وعقدة النقص، وذلك أن اللئيم كالأرض السبخة «المالحة» مهما سقيتها بالماء فلن تنبت أشجارا ولا أعشابا، فالخير ورد الجميل منه غير مأمول مطلقا.

عقدة: اللئيم يشعر بالحقارة والدونية عند تقديم معروف له، ولا يرغب أن يرى يد عون يكون لها الفضل عليه، ويحاول أن يمسح هذا الإحسان من ذاكرته وذاكرة الجميع، فلا يجد وسيلة أحقر من تجاهل ذلك ونكرانه وكأن شيئا لم يكن، فالجميل دائما عنده ضائع ولا يذكر، بل ويوغل في لؤمه فيوجه سهام الغدر والفتك بمن أحسن إليه، فمشاعر الكراهية لمن أحسن له لا يجد لها متنفسا غير الإساءة والإهانة والاستنقاص لمن مدوا له يد العطاء.

جحود باللسان: ونكران المعروف لا يعني أن هذا اللئيم يفقد كل إحساس بقيمة المعروف، بل في قرارة نفسه يقدر هذا الجميل ويشعر بقيمته ودلالته، ولكن نفسه المريضة بالجحود تمتنع عن التعبير باللسان عما يعتمل في دواخله، بل يبرز سلوكه السيء وهو نكران الجميل وتناسيه، وما أسدي إليه من معروف أصبح نسيا منسيا، فذاكرته المثقوبة لا يثبت فيها أي معروف أو عطاء يقدم له، مهما كانت صعوبة الظروف التي عايشها، فاليد المعطاءة لا رد فعل لها سوى.

مسخ بشري: المعروف ومقابلته بالشكر والامتنان من البديهيات التربوية والأخلاقية، بل إن أثر المعروف يمتد لما هو أكثر من ذلك، فمن يحمل ضغينة وحقدا دفينا اتجاه آخر، يمكن له أن يقتلع جذور الكراهية من قلبه بتقديم معروف له، فالعاقل يقدر قيمة يد العطاء وتأسره أيدي الجميل، ولا يجد لها ردا غير مد يد الصفح وفتح صفحة جديدة خالية من البغضاء، فكم من عداوات تطاول الزمن بأمدها، ومن قطيعة لم تفلح كل محاولات الترميم والإصلاح أن تعيدها لعهد الصفاء السابق، كان لمد يد المعروف نتائج طيبة أزالت رواسب الكراهية واستبدلتها بالمحبة والاحترام المتبادل، فالنفس تحب من يحسن إليها.

صور اجتماعية: ولنلق نظرة سريعة على علاقاتنا الأسرية والاجتماعية، لنجد من الحالات ما يؤلم القلب لما وصلنا إليه من تناسي المعروف، حتى أضحت قناعة البعض - وللأسف -: ضاع المعروف بين الناس، وأصبح الجحود والتنكر سمة بارزة لا تخفى عند أصحاب النفوس الضعيفة التي لم تثمر فيها القيم التربوية والتنشئة الأسرية على شكر المعروف.

فضاع المعروف بين الزوجين عند البعض، فأقل خلاف أو سوء تفاهم ينشأ بينهما، ينسى الزوجة تلك المرأة التي بذلت كل شيء من أجل إسعاده، وتتناسى تلك المرأة الجهود المضنية والمشاعر الصادقة من زوج لم يقصر في واجباته، وتضيع تلك العشرة الجميلة في لحظات لا تمتد فيها أيادي الصفح والتسامح وتجاوز الأزمات بحكمة وروية.

وآه من ذلك الابن الذي يقابل حب والديه وسهرهم على راحته وتأمين مستقبله، بالنكران وتجاهل فضلهم، وبدل أن يقابل تقدمهما في السن برد شيء بسيط لا يذكر من معروفها، يبسط يد القطيعة وإقفال باب زيارتهما والامتناع حتى من مجرد السؤال عن أحوالهما وصحتهما، إنه زمن العجائب!!

وذلك الصاحب الذي يتعامل مع أقل سوء تفاهم أو خطأ غير متعمد في حقه، بالكبس على زر القطيعة دون فتح باب الحوار وإبداء الأسباب والاعتذار.