آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

أريحية

التلقائية والبساطة عناوين توجه العلاقات الاجتماعية نحو الاستقرار والاستمرارية، وذلك أن أسلوب حديثنا وتصرفاتنا ما هي إلا مرآة صافية تحكي عما بداخلنا من رؤى وقيم، والعفوية في التعبير عن وجهات نظرنا تعني البعد عن التكلف والتلظي خلف العبارات الرنانة والمفاهيم المغلقة، والتي يحاول البعض من خلال استعمالها وضع صورة متعالية عن شخصيته، مما يجعل له هيبة وهمية واعتبارا عند الآخرين، إنه عشق المكانة والصيت الفارغ.

ولعل البعض يخشى من التعامل السليقي السهل، حيث سينظر له الغير بعين الانتقاص والاستصغار، فلا يجد طريقة لتعديل ميزان القوى في علاقاته غير التجهم والخشونة في التعامل، فهذا ما يحفظ هيبته ويصنع خشية في قلوبهم من التفكير بالتعالي عليه.

الأريحية تعني الانبساط في التعامل وملاقاة الآخر على بساط دماثة الأخلاق والمحبة والاحترام، وأما التخوف من تطاول الجهلاء فهذا ما لا يمكن حدوثه لمن صان نفسه من زلل اللسان ومزالق الإساءات.

الترحيب الاجتماعي وتبوأ المكانة بينهم ونيل ثقتهم يقوم على أساس اليسر والسماحة، بينما الشخصية الصعبة تلاقي نفورا من الآخرين وتجنبا للاحتكاك معه أو النقاش معه، فهو حساس من كل كلمة توجه إليه، والحوار معه غير مجد في أغلب الأحيان.

والسهولة في التعامل تستجلب القلوب وتصنع جاذبية لا تقاوم، فجمال الروح لا يخفى على من يحبون الألفة والمعاشرة الطيبة والأنس مع من يقدرهم، ويتواضع لهم ولا يصنع جدرا تحجبه عنهم، فمعاشرته سهلة ولا تحتاج إلى أي تكلف.

وكم من الأبناء الذين يشكون من صعوبة التفاهم مع آبائهم وأمهاتهم، فهناك فجوة يصعب تجاوزها مع أب لم يعرف يوما محاورة أبنائه وفتح باب النقاش معهم والاستماع لوجهات نظرهم، بل سيجدون من يبدي تقطيب الوجه والتزمت في الآراء والتعصب، ويبدي صرامة شديدة في تربيته لا يسمح فيها بأي خطأ أو تقصير، وإلا سيلاقي الابن عقوبة شديدة، وهذا ما ينشئ لنا أبناء يعانون من اضطرابات نفسية وسلوكية، ولعل أقرانهم مستقبلا يعانون منهم ما كانوا يشكون منه سابقا من صلافة وقسوة من أبنائهم!!

وهناك من يفهم فهما خاطئا بأن قوة الشخصية هي القسوة واللسان السليط، والحقيقة أن ما يلقاه مثل هؤلاء من الآخرين هو نفرة وكرها للتعامل معهم، بل القوة هي أن تأسر قلوب الآخرين بطيبتك وسماحتك، ولين في القول، فالهيبة شعور بالإعجاب والإكبار لمن تتقوم روحهم بالمعرفة والعطاء والنظرة الحانية للغير، ولمن لا يرونه ضعيفا أمام الاستفزاز فلا يشيط غضبا لأتفه الأسباب، بل يحافظ على توازنه بعيدا عن التوترات والخصومات، وهذا سر محبوبيتهم ونجاحهم.