آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما بين الأشواك‎

الشدائد التي نمر بها ما هي إلا مجسات اختبار لما نكون عليه من صدق فكري متزن وبعد مهاراتي، بعيدا عن عنتريات الكلام ووهم الحلم الوردي، فنتائجها عين الصدق لقدراتنا، وعين النقد الإيجابي لما وقعنا فيه من تقصير أو خطأ، والإنسان الناجح هو من يتلقف هذه التجربة المريرة بممارسة التأمل والتدقيق والمحاسبة؛ ليخرج بعدها متسلحا بتجربة مثمرة أكسبته خبرة في كيفية التعامل مع الواقع الصعب، والذي سيتواجه معه كثيرا في المستقبل، فالحياة في أحداثها محطات تمييز ما بين الناس، ولذا علينا التركيز على النتائج دون إيغال في تفاصيل لا نجني منها إلا اجترار الآلام.

قوة النفس: حقيقة ناصعة في حياة الناجحين ممن خرجوا من بين ركام العثرات السابقة، فلم يزدهم ذلك إلا إرادة وتصميما على الاستمرار في العمل المثابر، نعم من رحم المعاناة والأزمات والصعوبات تتولد بشائر الأمل والمنح، ولكن القضية ليست بتلك البساطة التي يتصورها البعض، وإنما هي قوة النفس في مغالبة الظروف القاهرة وتحمل الآلام أملا بغد أفضل ومستقبل أحسن.

الفكر المتزن: الفكر المشوش والمصاب بفيروس القلق لن يزيد الأمر إلا تفاقما وسوءا، بل نحتاج في مقاربة أي مشكلة إلى فكر متزن يستطيع أن يبحث عن الأسباب والمخارج من تلك السقطة، فظلمة ليل الأزمات لا تمنحنا فرصة الخروج من عنق الزجاجة بسهولة، بل علينا البحث عن إبرة الفرص الممكنة في وسط قشة المشكلة، فهناك بصر نافذ ينتهي بحلول مرضية إن استطاع أن يفلت من قلق الفشل.

هول الصدمات: لا تؤذننا الإخفاقات بإنذار مبكر غالبا، بل تباغتنا بأزمة قد لا يستفيق منها البعض إلا وهو خارج دائرة القدرة على عمل شيء، وأمام أولى ضربات الأزمات يتمايز الأفراد، فهناك من تسقطه أرضا أولى لكمات الزمن القاسي، وآخر يستطيع أن يمتص عاصفة الصعوبات ويستوعب الصدمة، بما يمتلكه من نفس هادئة وأعصاب لا تنفلت وفكر لا يطيش مهما كانت قوة الأزمة، فالتهور أو الإحباط نتائج أكيدة للتخبط والخطوات غير المدروسة، وهو ما يغوص برجله أكثر فأكثر في وحل الشدة، فالفكر المتزن المنفتح على أي مشكلة بعين البحث والتدقيق، سيصل إلى تصور واضح وشامل لموطن الخلل، ويبدأ في تجميع أوراق الحلول والمعالجات.

الحركة الوازنة: لا يخلو طريق الحياة والعمل والعلاقات الاجتماعية من محطات نواجه فيها إخفاقا أو تعثرا، والذكاء الفكري والاجتماعي والعاطفي يدعونا إلى سرعة مواجهة المشكلة وعدم التباطيء في مدارسة الحلول الممكنة، فالرصيد المهاراتي والخبراتي يسعفه على وضع معالجات توقف نزيف نقاط قوته ونجاحه أولا، فالتدهور والانهيار ما هو إلا محطات متتالية من خطأ مهمل وتركه يستنزف قدراته، ومن ثم نبدأ في التعرف على أقصى ما يمكن معالجته ولو على خطوات ومراحل متعددة.

ميدان المواجهة والتحدي: مواجهة المشكلة بروح العزم والتصميم على تجاوز ذلك الإخفاق هو أسرع وأفضل الطرق لتجنب المتاعب والنتائج الخطيرة لأي مشكلة، والتهرب من تحمل المسئولية والتسويف والاتكالية ما هي إلا معاول هدم ورايات بيضاء ينشرها في أرض المعركة، يعلن بها إفلاسه الفكري والمهاري.

والمحاولات التي نسعى بها للخروج من ركام الأزمة لا نملك له ضمانة النجاح أبدا، فقد تتوالى المحاولات وتكثر حتى يتم لنا فتح كوة بسيطة ونافذة صغيرة وبصيص أمل يحالفه إثمار الجهود، والبعض يعاود الخطأ مجددا بإعلان تمرده وسخطه من خطوات حل أخفق فيها، فالتذمر قتل لروح الصمود والمواجهة.

وتحرير الطاقة النفسية عندنا يكون بصب جام جهودنا على نفس المشكلة، أي توجيه قدراتنا نحو البحث عن التداعيات والأبعاد والنتائج والنهايات، فالبحث عن شماعة لتعليق الأخطاء عليه كالآخرين أو الحظ والظروف لن يغير من الواقع شيئا، فالأمل بالوصول إلى نتائج أفضل وواقع أحسن هو ما يشد من همة الفرد نحو البحث المتواصل عن الحلول الممكنة.